مقالات نفسية

الحاجة للجديد


clock_spiral

بسم الله الرحمن الرحيم

أنسى دائما أن للمكان أهمية خطيرة في الحالة النفسية، ولا أتذكر هذا إلا بعد أسابيع أو ربما شهور من ملازمة البيت المكتظ بروائح الأطعمة والملابس المتسخة، والأحلام الغريبة، والتنهدات العميقة، والوساوس البغيضة والخيالات المريضة ولون الكسل الباهت الذي يصبغ الجدران.. كل ذلكم وأكثر كيف يُساعد في صفاء الذهن ووضوح الرؤية ؟.. لابد من مغادرة هذه الزنزانة، لابد من استنشاق هواء جديد مغسول، وسماع أصوات ذوات الأجناح تُصفّق بابتهاج.. لابدّ من التجديد.

وقد نلمس مبدأ التجديد هذا في أغلب ما حولنا، بل في أجسامنا ذاتها.. ألا تتجدد خلايانا وجلودنا ؟.. ألا ننام كل يوم لنستيقظ – إن شاء الله – من جديد.. فكأنما هي ولادة أخرى.. فرصة أخرى.

وإن هذا الذي يُسمّيه الناس (روتينا) لأمر خطير فعلا.. يقتل الحسّ ويُبلّدُ المشاعر، فضروري أن يبحث الواحد منا على خطط لمواجهته.. وحتى هذه الخطط ينبغي أن يكون فيها تنويع وتجديد !

هذا النظام الذي تسير وفقه الحياة كما أراد الخالق العظيم لها أن تسير فيه مرونة وحركة لا تسكن.. تكبر الوجوه وتتغير، تبلى الملابس وتُستبدل.. تموت أجيال وتخلفها أجيال.. يجرب الإنسان ولا يكفّ عن الاختراع، ويجعل لكل اختراع مئات الإصدارات والأشكال.. الأكل، الكتب.. كل شيء يُبدّل ويُعدّل.. حتى في شرع ربّنا عبادات متنوّعة من دعاء وصلاة وصيام ونُسك وحقوق متنوعة.. فكيف يعيش الإنسان بمكان واحد وببرنامج يكاد يكون مقدّسا لا يتغير ؟

وهذا الملل الذي يشكو منه أكثر البشر قد يكون قاتلا بحق، فكثير ممن انتحروا يقولون نفس العبارة (مللتُ هذه الحياة !).. ولا ملل في الحياة برأيي، إنما هو عدم إجادتنا (فن العيش) كما ينبغي أن يكون، وكما أراد لنا خالقنا، هذا ما يجني علينا ويضيع لحظات عمرنا الغالية للأسف.. حتى نملّ من أنفسنا ومن حياتنا التي لوثناها وبعثرناها بأيدينا.. والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رفعت خالد المزوضي

كتبتها خلال سفري بالقطار

22-04-2015