لغز العبقرية


222

من المواضع التي تحيرني بالغ الحيرة وتقذفني في متاهات ملتوية لا مخرج منها.. موضوع العبقرية. فمهما تحدثنا عن ذكاء هذا الإنسان الموصوف بالعبقرية وتفانيه في علمه ومجاهدته ليبرع في صنعته لن يكون ذلك كافيا ولا جوابا شافيا يبرد حرّ الفضول.. فالواقع يثبت أن ثمة هناك عوامل أخرى خفيّة وراء ذلكم النبوغ غير العادي، وقد حار في ذلك المختصون في علوم النفس البشرية بعدُ.. الكثير من الناس أذكياء، ويبذلون من الجهد ما يبذلون ويسهرون من الليالي ما يسهرون وقد ينجحون في نيل الشهادات والمناصب أو لا ينجحون.. ولكنهم لا يكونون عباقرة في اختصاصاتهم ولا يُحسبون من الأفراد الذين يحفظ العالم أسماءهم لما لهم من أثر على البشرية جمعاء بإذن رب الأرض والسماء.. فلماذا لا يصل هؤلاء أو نصفهم أو ثلثهم لما وصل إليه أولئك ؟

قد مضى عليّ ردح من الزمان منذ عرفتُ ما يسمونه (البرمجة العصبية) وتلك المحاضرات الساخنة الملتهبة التي يحاول أصحابها إقناعك بأنك أفضل شخص في العالم ! فيزعمون أن الإرادة والإصرار يصنعان كل شيء.. وينسون غالبا ذكر إرادة الملك عز وجل، الذي لا يكون ما يريد الناس حتى يشاء لهم ذلك، فهو – سبحانه – الذي يفعل ما يريد وما سمعنا أن الإنسان (فعاّل لما يريد) !

كذلك يدندنون حول مسألة (الثقة في النفس)، وهو مفهوم ذائع شائع، يتناصح الناس به ويوصي بعضهم بعضا.. وهو يبدو لي خاطئا، إذ في شرعتنا – كمسلمين – النفس أمارة بالسوء والفحشاء وكثيرا ما تورد صاحبها المهالك والضراء، كما تُعدّ في كثير من الأحيان عدوا من الأعداء.. والعاقل فينا من يتهمها ويلومها على الدوام ويتبرؤ من حولها وقوتها.. فكيف يوثق فيها بعدُ ؟

لا أقول أن كل الكلام المشجّع الذي يُقال، والذي فيه بعث للأمل و إحياء للتفاؤل، كلام فارغ.. ولكن هذا العلم النفسي – الذي قد يرتكز على أسس علمية صحيحة – قد خالط عالم المال والأعمال والإعلام فصار من مصلحة أصحابه أن يرضوا كل الزبائن والمستمعين، فلم تعد هناك ثمة – تقريبا – حدود ولا شروط.. حتى أنه لو ذهب عندهم رجل مقعد أبكم وكتب في ورقة يحملها أن حلمه أن يكون رئيس الأمم المتحدة لقالوا أن ذلك ممكن، فقط لا تيأس.. الخ.

الأمر ليس بالبساطة التي يدّعون.. لا يكفي الجهد ولا الأمل، ولكن هناك التيسير الرباني والوسط المشجع.. فمعلوم أن كل مخلوق مُيسر لما خلق له.. انظر – مثلا – للعالم النابغة النحيل في مختبره وللقائد العسكري القوي في ميدان معركته.. أكان لأحدهما أن يكون الآخر ؟.. هل كان يكفي أن يتدرب العالم بكثافة – مثلا – حتى تصير عضلاته مفتولة وتكون شجاعته في القتال مَضربا للأمثال ؟ وهل كان ينقص القائد العسكري المحنك المثابرة وإحياء الليالي ليحصل علم ذلك العالم ؟

إنها أقدار مختلفة، مسارات واستعدادات وجينات مختلفة.. أمهات وآباء مختلفون.. أحداث سهّلت على هذا ولوج هذا المعهد، أو الانكباب على تلك الكتب، أو احتراف تلك الصنعة أو التدرب على الأسلحة والقتال.. أما أكثر الناس فيُسمي هذه الاستعدادات والأحداث.. حظا.

كذلك ليس كل من لم يصل إلى مراتب عالية في العلم والأدب والفروسية منعدم الإرادة، ضعيف الطموح.. فلعله لم تُتح له الفرص التي أتيحت لأولئك، أو لعله لا يملك الجينات التي سهّلت لذلك العبقري أن يكون كما كان.. والله المستعان.

__ رفعت خالد المزوضي 13-05-2015

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s