مقالات نفسية

مقياس الجرأة !


مقياس الجرأة

جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. وفي رواية والتوبة معروضة بعد.

وقال الفقيه الرصين ابن العثمين عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: (فالزنى والسرقة من كبائر الذنوب. وإذا كانا من كبائر الذنوب فإن الإنسان لا يقدم عليهما وهو حين إقدامه عليهما مؤمن تام الإيمان، بل إن إيمانه في تلك الحال وفي تلك اللحظة إما مرتفع بالكلية وإمَّا ناقص نقصاً عظيماً استحق أن يوصف الإيمان بالنفي من أجل نقصه هذا النقص العظيم. فالحديث محتمل لهذا وهذا، أي محتمل لانتفاء الإيمان أصلاً وذلك في اللحظة التي يقدم عليها؛ لأنه لا يمكن لمن معه إيمان أن يقدم على هذا العمل وهو يعلم جرمه وإثمه في الدين الإسلامي، وإما أن يكون المراد نفي كمال الإيمان في تلك اللحظة لكنه يكون ناقصاً نقصاً بيناً استحق به أن يوصف بالنفي. وهذا الأخير عندي أقرب وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة). انتهى كلامه رحمه الله من فتاوى نور على الدرب – الشريط 316  

أمر دقيق للغاية ككل الأمور المتعلقة بالقلوب.. خفية، غامضة تتسرب من ثغرات النفس كما ينفدُ الماء من بين حبات الرمال، وكما يسقط ما يسقط من ثقوب الغربال.. وقد يمكن الواحد منا أن يقيس هذا الأمر ويعرف مقداره إذا ما أراد وحثّ نفسه على الجهاد..

إنه الجرأة.

كيف تطيب نفس أحدنا – مثلا – بالإقبال على الزنا وهو يعلم حقيقته وخطورته وحُكمه ؟.. لن يفعل إلا إذا ارتفع عنه قدر كبير من الإيمان كما جاء في الحديث الشريف.. حتى يبلغ مقدار الجرأة لديه مبلغا مهولا ! وذلك لا يكون – قطعا – في اللحظة والتّو.. وإنما يُطبخُ وينضج ببطئ وتدرّج.. وكما قال شوقي: (نـظـرة فابتسامة فسلام … فـكـلام فـمـوعد فـلـقـاء). فيتجرّؤ الواحد منا فينظر، ثم يتجرؤ فيبتسم، ثم يتجرؤ ويتجرؤ ويتجرؤ.. ولو أنه وقف عند النظر وقال كيف أجرؤ ؟ فحاسب نفسه وساءلها لخرج – إن شاء الله – بحلّ يعينه على التوقف وإلجام نفسه الجموح قبل الاسترسال في السقطات.. فهي – إذا – درجات لا ينتقل إليها المنتقلُ حتى (ينجح) في التي قبلها.. والنفس متقلبة كما هو معلوم، وأعتقد أننا لو قسنا هذه (الجرأة) في بعض اللحظات لوجدناها عالية جدا، يُشير سهمها إلى رقم مخيف ! ونحن نضحك لاعبين، وعن ذلك غافلين.. حينها قد نتوقع بسهولة معصية قادمة، لأن مقياس الجرأة يقول ذلك بوضوح..

أما لو وجد امرؤ أنه لا يجرؤ على رفع بصره من الأرض، ولا يتحمل البقاء في مكان سوء يضجّ بالمنكرات فلعل ذلك بشرى طيبة وعلامة خير..

قال الفقيه أبو الليث: (من جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة).

وفي شرح الأربعين للنووي: (وأما قوله: ” ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ” فذلك يكون بوجهين أحدهما: أن من لم يتقِ الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات ويحمله التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام كما قال بعضهم الصغيرة تجر الكبيرة والكبيرة تجر الكفر وكما روي ” المعاصي بريد الكفر “).

ومع ذلك – يا أسفاه – لا يقيس نفسه ويحاسبها إلا النذر اليسير ممن رحم ربي.. نسأله أن يجعلنا منهم وإياكم، فأكثرنا لا يستفيق من سكرته إلا بعد المعصية، فيقول مستغربا مذهولا.. كيف هذا ؟ كيف تجرّأتُ ؟

__ رفعت خالد المزوضي

22-01-2015

رأيان حول “مقياس الجرأة !”

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s