مقالات نفسية

انتحار كاتب !


suicide-213340

عرفتُ اليوم كاتبا أمريكيا شابا يُدعى (ديفيد والاس فوستر) وما شدّني من أمره أنه انتحر سنة  2008 شنقا، عن عمر يُناهز 46 عاما !

اشتهر خاصة بروايته  الضخمة (دعابة أبدية) التي صُنّفت من بين أفضل مائة رواية إنجليزية في قرنه تقريبا، وجعلت منه واحدا من أكثر كتاب عصره ثراء لغويا، ثم إنه ترك رواية غير مكتملة بعد موته، وُجدت بين أوراقه، عنوانها (الملك الشاحب) تمت طباعتها وفازت عام 2011 بجائزة البولتزر للآداب. ولما بحثت عن مزيد مقالات عن هذا الكاتب الغريب الذي يظهر في أغلب صوره مُعصّب الرأس، بلحية نصف حليقة.. واطلعت على مقاطع فيديو ومقابلات صحفية.. إذا بي أجد الجواب عن السؤال المنطقي الذي بدأت أطرحه وهو (لماذا اختار إنهاء حياته بهذه الطريقة الفجة ؟)، وهو أنه كان مريضا أصلا بالاكتئاب الشديد الذي صارعه في أغلب مراحل حياته، بل إنه قد نجا من محاولة انتحار مبكرة في بدايات شبابه.. ليشتدّ به المرض في أواخر عمره قبل أن يقرر بأن يضع لأيامه حدا، فطوّق عنقه – ذات صباح أو عشيّ – بحبل غليظ قاس، ثم تركه يعتصر الحياة منه إلى آخر قطرة !

قلّبتُ أمر هذا الكاتب في ذهني كثيرا، وتساءلتُ عن الذي كان ينقصه، فقد امتلك الموهبة التي تفوق بها عن الآلاف من معاصريه، بل وحصّل الشهرة التي يحلم بها كل أحد وهو – بعد – في مقتبل العمر، وكان أحبه جمهور عريض من القراء والأدباء والنقاد.. فماذا دهاه ؟

لكن سرعان ما أجبت نفسي بنفسي، لأنه ما من أحد ليجيبني، وقد اعتدتُ محاورة نفسي على كل حال..

إنها العقيدة ببساطة.. عندما يفقد المرء عقيدته، ويضيع فطرته التي كانت معه من يوم ولادته، ويركب غروره وجنونه لا ينفعه بعدها شيء مهما عظم.. لا المال ولا الشهرة تنفعه ولا الجاه ولا العقل والعبقرية تفيده، بل قد ينقلب ذلك كله ضده تماما، فيُدمره ويقضي عليه.. كما رأيت.

فالعقيدة أولا، والعقيدة آخرا، والعقيدة دائما. إذ ينبغي أن نقصد الدار الآخرة – ما أمكن – من وراء كل فعل نفعله.. فالحياة لها معنى، لها بداية ولها نهاية، لا ما يسوده الفلاسفة من كتب حبلى بالإلحاد والزندقة، فيدّعون عبثية الحياة، ويجعلون الهدف من الحياة كما يريدون هم.. فمنهم من يرى الهدف جمع المال أو الموت في سبيل ذلك كما هو عنوان ألبوم للمغني (فيفتي سانت)، ومنهم من يرى أن الهدف من الحياة أن نحقق ذواتنا ونصل للعبقرية وللمجد والشهرة.. إلى آخر هذيانهم المريض.. إنما الحياة للعبادة، وذكاءنا أو عدمه لا يغير الهدف الأصلي.. وذنوبنا لا تغير من الهدف أيضا، فالذنب يُتاب منه ويُرجع إلى الحق والصواب..

كم يدعون من العبقرية والفكر الثاقب، ثم تجدهم بالنهاية ينتحرون، فيظهر ضعفهم لكل أحد ويُفضحون.. إنه الغرور الإنساني العتيد، والذي لا دواء له – أحيانا – إلا الموت !

__ رفعت خالد المزوضي

27-10-2015

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s