مقالات فسلفية

ليست لك إلا بطاقة واحدة !


222

بسم الله الرحمن الرحيم..

النموذج الوحيد الكامل للإنسان الذي تعرفه أقصى قدر من المعرفة هو نفسك.. فأنت لم تر باطن أحدهم وما فيه من الأهواء المتلاطمة والنزاعات القائمة.. كما رأيت باطنك، ولم تر كيف اضطر إلى الابتسام في بعض الأيام وقلبه يكاد ينفجر من الضغط والألم كما تعرف من نفسك.. ولا تحصي عيوب امرئ كاملة من طريقة إعداد الشاي إلى كتابة تقرير في العمل كما تعرف عيوبك..

أما الآخرون فليسوا غير أجساد مغلفة بأحسن الثياب ومعطرة بأجمل الطيب، تمشي أمامك بثقة متظاهرة بالقوة ومعرفة بواطن الأمور.. ولست تعلم من حقائقهم مثل القطمير !

لذلك فإن مقارنتك نفسك بآخر من هذه الكائنات تُشبه الحكم على علبتين إحداهما من زجاج ترى ظاهرها وباطنها والأخرى من حديد، قد غُلّفت بورق الهدايا البرّاق.. فكيف لمثل هذا الحكم أن يكون صحيحا ؟

ولذلك يُفاجؤ الناس يوم الحساب بفقهاء وقراء ومجاهدين وهم يُعذّبون أشدّ العذاب، بل تُسعّر بهم النار – عياذا بالله الرحيم – وآخرون بسطاء لم يكن أحد يلتفت إليهم قد نالوا من الأجر والغنيمة ما لم يخطر على بالك.. وربما كان بعضهم يعرض عليك بضاعته في طريقك فترفع يدك غير عابئ.. أو يحمل صناديق السمك في الميناء وحاله يُضرب بها المثل في البؤس وسوء الحظ..

إن حياتنا لأشبه شيء بحفلة تنكرية ضخمة.. كل يلبس ما يشاء، ويضع ما استطاع من الزينة والعطر الفاخر، وكلّ على نفسه شهيد.. وهو إما صريح مع نفسه لما يعلم منها، وإما متملّصٌ مُخادع، يهرب من مواجهة وجهه بالمرآة !

أما الآخرون فليس عندنا من خبرهم إلا الظاهر تقريبا، ولا نكف عن التأرجح – عند الحكم عليهم – بين إحسان الظن وإساءته والتوقف فيما بين ذلك..

وتبقى في جيبك بطاقة تعريف واحدة.. عليها صورتك !

__ رفعت خالد المزوضي

30-04-2015

Advertisements
مقالات نفسية

مقياس الجرأة !


مقياس الجرأة

جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. وفي رواية والتوبة معروضة بعد.

وقال الفقيه الرصين ابن العثمين عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: (فالزنى والسرقة من كبائر الذنوب. وإذا كانا من كبائر الذنوب فإن الإنسان لا يقدم عليهما وهو حين إقدامه عليهما مؤمن تام الإيمان، بل إن إيمانه في تلك الحال وفي تلك اللحظة إما مرتفع بالكلية وإمَّا ناقص نقصاً عظيماً استحق أن يوصف الإيمان بالنفي من أجل نقصه هذا النقص العظيم. فالحديث محتمل لهذا وهذا، أي محتمل لانتفاء الإيمان أصلاً وذلك في اللحظة التي يقدم عليها؛ لأنه لا يمكن لمن معه إيمان أن يقدم على هذا العمل وهو يعلم جرمه وإثمه في الدين الإسلامي، وإما أن يكون المراد نفي كمال الإيمان في تلك اللحظة لكنه يكون ناقصاً نقصاً بيناً استحق به أن يوصف بالنفي. وهذا الأخير عندي أقرب وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة). انتهى كلامه رحمه الله من فتاوى نور على الدرب – الشريط 316  

أمر دقيق للغاية ككل الأمور المتعلقة بالقلوب.. خفية، غامضة تتسرب من ثغرات النفس كما ينفدُ الماء من بين حبات الرمال، وكما يسقط ما يسقط من ثقوب الغربال.. وقد يمكن الواحد منا أن يقيس هذا الأمر ويعرف مقداره إذا ما أراد وحثّ نفسه على الجهاد..

Continue reading “مقياس الجرأة !”

مقالات نفسية

انتحار كاتب !


suicide-213340

عرفتُ اليوم كاتبا أمريكيا شابا يُدعى (ديفيد والاس فوستر) وما شدّني من أمره أنه انتحر سنة  2008 شنقا، عن عمر يُناهز 46 عاما !

اشتهر خاصة بروايته  الضخمة (دعابة أبدية) التي صُنّفت من بين أفضل مائة رواية إنجليزية في قرنه تقريبا، وجعلت منه واحدا من أكثر كتاب عصره ثراء لغويا، ثم إنه ترك رواية غير مكتملة بعد موته، وُجدت بين أوراقه، عنوانها (الملك الشاحب) تمت طباعتها وفازت عام 2011 بجائزة البولتزر للآداب. ولما بحثت عن مزيد مقالات عن هذا الكاتب الغريب الذي يظهر في أغلب صوره مُعصّب الرأس، بلحية نصف حليقة.. واطلعت على مقاطع فيديو ومقابلات صحفية.. إذا بي أجد الجواب عن السؤال المنطقي الذي بدأت أطرحه وهو (لماذا اختار إنهاء حياته بهذه الطريقة الفجة ؟)، وهو أنه كان مريضا أصلا بالاكتئاب الشديد الذي صارعه في أغلب مراحل حياته، بل إنه قد نجا من محاولة انتحار مبكرة في بدايات شبابه.. ليشتدّ به المرض في أواخر عمره قبل أن يقرر بأن يضع لأيامه حدا، فطوّق عنقه – ذات صباح أو عشيّ – بحبل غليظ قاس، ثم تركه يعتصر الحياة منه إلى آخر قطرة !

Continue reading “انتحار كاتب !”

مقالات نفسية

المبالغة في الودّ أم التحفّظ ؟


question-480x396

كالعادة يُبهرني الدكتور أحمد خالد توفيق بملاحظاته العميقة.. ففي مقاله (تحفّظ) يتكلم عن المبالغة في التودد للناس وما ينتج عنها من طعنات في أمّ كرامتك، وصفعات على قفا شخصيتك. وإني إذ أقلّب في أرشيف ذاكرتي أجد مما قال الدكتور الشيء الكثير..

عندما ترغب في لعب البطولة والشهامة التي لا مثيل لها، يكون الإحباط غالبا قاسيا جدا، والضربة تكون مؤلمة للغاية.. وقد رأيتُ البارحة فقط ما يُشبه هذا. عندما تنسى أن ما يجمعك بزميلك في القسم هو مجرد تلك النقطة التافهة، أو عناوين الدروس وحُفنة من الأوراق.. عندما تنسى هذا وتحسب أنه أخ لك معوان، ورفيق يندر شبيهه في كل الأزمان.. تُفاجؤ ذات يوم – من حيث لم تكن تحتسب – بالحقيقة السخيفة التي لم ترد تصديقها منذ البداية.. فهو لا أخ معوان ولا بطيخ، والنقطة التي يلهث ليحصلّها أهم عنده منك ومن عشرة من أمثالك.. وربما تخطى جثتك ليمر إليها إن اقتضى الحال..

هكذا هو الإنسان إلا من رحم ربي.. أقول هذا وأعتقد – والله أعلم – أني لستُ من هذا النوع على الأقل.. هذا الضرب من البشر الذي يجزع في كل ضراء تصيبه حتى ينسى أخيه وينسى وده القديم.. أعتقد في نفسي هذا ولا أزكيها ، إنها لأمارة بالفحشاء والمنكر.. والله المستعان.

__ رفعت خالد المزوضي

02-02-2015

خواطر عن الكتابة

تحدي الكتابة الجديد !


تحدي الكتابة الجديد

مضى وقت ليس باليسير منذ كتبتُ آخر نص في دفتر يومياتي، ولذلك – حسب ما أرى – أسباب قد تنوعت.. منها انشغالي بالقراءة ومحاولة إدمانها حتى أقول لنفسي مخاطبا كلما قرأت لكاتب بارع: (انتظر يا أخي ولا تكتب حتى يرقى قلمك لربع أو نصف هذه البراعة.. لا تعجل !) لكني سرعان ما أغير رأيي إذ أشتاق كثيرا للقلم.. هذا الصديق الوفي، ولا أقدر على إرجاء الموعد معه إلى حين لا أسميه، فلعلّ فتن الحياة تجرفني فلا أوفي بالوعد، فإذا بي أهرع إليه ملتاعا، فتعانقه أناملي وتقبله كل أنملة بشوق وحنين، ولربما جرى بينهم حديث لا علم لي به !

من الأسباب التي أبعدتني عن ممارسة هوايتي أيضا هذا التهيّب من الكتابة نفسها، فقد صرتُ ألحظ – كما لم أفعل من قبل – بعض الركاكة في أكثر ما كتبت، ولعل هذه علامة طيبة توحي بأني ارتقيت درجات في التذوق الفني الأدبي.. مع علمي وتيقني بحاجتي لإتقان القواعد اللغوية والدروس البلاغية حتى أقولها غير متهيّب (أجيدُ اللغة العربية) ويا لها من شهادة ما أصعبها وما أكثر تبعاتها !

ربما لأن ذوقي تحسّن بعض الشيء أجدني الآن مترددا، متلعثما أمام الورقة البيضاء أكثر من أيّ وقت مضى.. ربما !

__ رفعت خالد المزوضي

28-03-2015

بقايا القراءة

مثل شوبنهاور !


11149527_10204969110366129_3315392296128276494_n

كنت أعرف عن الدكتور أحمد خالد توفيق تشاؤمه من أقوال له قديمة، كقوله مثلا: (إن المتشائم يتوقع الشر فيجده، أو يجد ما هو أفضل، وبالتالي هو يحتاط لكل شيء ولايؤمن بالحظ.. أما المتفائل فهو يتوقع الخير دائمًا، وهذا شيء عسير، ولهذا يجد المتشائم في كل وضع سيء ما هو أفضل من توقعاته..)، لكني ما حسبتُ قط أن تشاؤمه قد بلغ الزبى، وسوداويته جاوزت الحدّ الأقصى حتى قرأت هذه الرواية.. وإني أتصور لو أن الدكتور كان فيلسوفا لربما قال بقول المعري وشوبنهاور بكون الحياة شرّ محض وغاية المنى الخلاص منها.. لا أقول أن كل ما قيل تنطّع مبالغ فيه، وإنما أقول أن بعض العورات من الخير سترها وبعض الحقائق من الحكمة ابتلاعها بعينين مغمضتين، فالمعافى أكثر من المبتلى كما هو معلوم، وإن متنا يوما فقد عشنا عقودا.. فلماذا هذا الغلو المتعنّت ؟

أعرف لذة التشاؤم – عياذا بالله – فقد جربتها من قبل.. حينما ترى أن كل شيء ليس على ما يرام ثم تطأطئ رأسك في أسى وتذرف دمعات ساخنة في مشهد رومانسي ملتهب.. لكن الحكمة الإلهية تقتضي الصبر، والتغافل و(التعايش) مع كل هذا الذي نراه ونسمعه مما يحزّ في القلب، يكاد يُدميه.. ويُذكي الحزن بالفتى، يكاد يرديه.. هكذا علمنا ديننا وهذه هي الطريقة (الصحية) للحياة..

Continue reading “مثل شوبنهاور !”