مذكرات

أغرب سرقة في العالم !


cms-image-000169317

ظاهرة السرقة وقطع الطريق من الأشياء المعلومة عندنا بالضرورة، وقد بلغ من تفشّيها في بلادنا أن ملّ الناس منها ومن خطورتها، حتى صار بعضهم يضحك منها ويطلق عليها أسماء غريبة مثل (التشرميل)، وأعتذر للإخوة غير المغاربة لأنه من المستحيل أن أترجم لهم هذه العبارة إلى العربية !

صار هذا مملا.. وقد يقول لك صاحبك ممازحا: (لا تمر من هنا في مثل هذا الوقت إلا إذا كنت لا تمانع من أن يتحول وجهك إلى خريطة !) ثم يقهقه بخبث.. ولكن الذي لم يكن معلوما عندي – على الأقل – أن تتعرض للسرقة داخل الصلاة !.. إنه للعجب بشحمه ولحمه !.. وإنك لتوشك – إذا علمت ما حدث – أن ترى ما قلته آنفا كأنه أخلاقيات المدينة الفاضلة !

كان هذا قبل يومين.. توجهتُ وصاحبي لصلاة العصر بأحد المساجد الكبيرة بالدار البيضاء، ولم يكن من عادة صاحبي ارتياد المساجد، ما جعلني أشعر ببعض السرور وأنا أرافقه للصلاة، وقد وفقه الله وحبّب إليه تلبية الأذان..

توضأنا، وسبقته للمسجد..

بعد انقضاء الصلاة حملتُ حقيبتي وقلّبت في وجوه المصلين عن صاحبي.. كان المسجد كبيرا مزدحما بالمصلين، فواصلت البحث يمنة ويسرة لعلني أراه.. ثم إني لمحته من بعيد، يشير لي بيده ويقول كلاما لم أسمع منه شيئا..

اقتربت ناحيته ببطئ متفاديا المرور بين يدي المصلين الذي يقضون ما فاتهم من الركعات.. وفي كل مرة أنظر إليه أجده يحاول أن يرفع صوته أكثر ليخبرني بأمر خطير كما كان يبدو من وجهه، وأنا – بدوري – لا أكف عن الإشارة إلى عدم سماعي لما يقول..

– هل تركت هاتفي عندك ؟

كان هذا ما يصيح به.. أخبرته مندهشا أن لا.. فظهر الجزع على ملامحه وانحنى بسرعة يتفقد حقيبته غير مصدق !

وصلتُ حيث هو واستفسرت عن الأمر أكثر.. فقال ببساطة:

– لقد سرقوا هاتفي !

– كيف ؟.. أقصد من ؟.. متى ؟

– في الصلاة..

قالها دون أن ينظر لي وانصرف هائما بين المصلين، وبقيت أنا متسمرا مكاني من وقع الدهشة..

رأيت عينيه الحمراوتين، ورأيت الدموع تتساقط منهما.. فالهاتف كان باهظ الثمن بالفعل.. تبعته وأنا أحاول تهدئته بجمل غبية – ربما زادت من بلائه – من قبيل (اسكت..)، (لا تقلق..)، (ليس مهما..)، (ماذا الآن ؟).. الخ.

ثم ذهبت عند المسؤول عن المسجد، وهو دائما – في كل المساجد تقريبا – شيخ عجوز بلحية بيضاء يمشي بصعوبة، وتبدو عليه جلية علامات الوقار والحكمة.. سألته إن كان أحدهم عثر على هاتف أسود كذا وكذا، فأجابني أن ذلك لم يحصل وهو يقوم من مجلسه بصعوبة.. يبدو أن (الإبلاغ عن الموجودات) ترف ثقافي ليس معتادا هنا..

عدت إلى صاحبي.. كان يبحث بين المصلين الخارجين عن من يملك رصيدا كي يرن على هاتفه كمحاولة يائسة.. وأنا لم يكن معي رصيد كالعادة.. تفضل عليه أحد الإخوة.. أفتى عليه صاحبي الرقم و…

الهاتف مقفل.. خارج التغطية !.. طبعا هي قاعدة يعرفها كل لص يحترم نفسه ! إذا لم تكن تقفل الهاتف فور سرقته، فعليك مراجعة دروس السرقة !

يجب أن تراني – بعدها – وأنا أحاول إقناع صاحبي أن المسجد ليس بهذا السوء، وأنه لا علاقة للصلاة بما حدث.. ولكنه قال أنهم (كرّهوه في المسلمين)، ولم يكن هذا غريبا على كل حال.. فهو حديث عهد بالصلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

فيما بعد أخبرني أنه لمس جيبه قبل إقامة الصلاة فوجد ثمة الهاتف.. وبعد التسليم لم يعد هناك هاتف !.. فلأصدق ذلك أولا أصدقه، ولكن هذا ما حدث.. إنما – بالله عليكم – هل يوجد لص يسرق في الصلاة ؟ أويوجد إنسان يفعل هذا ؟ حتى لو كان من ديانة أخرى !.. أم هو شيطان رجيم يدخل بين فُرج الصفّ.. أم ماذا ؟

ولما استفقت من الصدمة أنا الآخر.. نصحته بالصبر والاحتساب، وأن عليه أن يحمد الله لأنه أصيب في الهاتف وليس في جسمه.. فبدأ يهدأ شيئا قليلا..

والسؤال الذي يزعجني الآن.. كيف سرق هذا (الشيطان) الهاتف بالضبط ؟.. هل خلال السجود، أم عند الرفع من الركوع، أم بين التسليمتين ؟!!

__ رفعت خالد المزوضى – من يومياتي

22 – 12 – 2014

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s