خواطر عن الكتابة

إنها قنينة الغاز والحفّاظات والطماطم.. كما تعلم !


1939420_10203859351462850_8149504836468193148_n

خطر ببالي الآن سؤال لم يخامرني من قبلُ.. هل الكتابة على الحاسوب أفضل أم على الورق ؟ أم أنه لا فرق بينهما ؟ أم يتعلق ذلك بالكاتب وما يهوي؟

أما رأيي، فالورق أنفع وأجدى، وإن كنتُ لا أكتبُ عليه إلا نادرا، لأن عصر الحاسوب ابتلعني بالكامل كما ابتلع كل الشباب من جيلي فما أصغر، إلا أنه في كل مرة أجلس فيها إلى مكتبي لأخطّ على ورقة بيضاء يُخيل إليّ أني أمتلك ما أكتب حقا، فالكلمة كلمتي تأليفا وخطا ولونا وحجما ورائحة.. أمطها كيفما شئت أو أقطعها، وقد أقتلها بخط حاد يقسمها إلى شطرين، أو أسجنها – للأبد – وسط قفص من الخطوط العشوائية الكثيفة، فلا يُرى لها أثر !

أما الحاسوب فيمنحك امتيازات أخرى لم يكن يحلم بها الكتاب الأقدمون، تخيل لو امتلك ابن المقفع آلة كاتبة، وتصور لو اشترى الجاحظ حاسوبا ؟

هذه الآلة السحرية تمنحك ترف اختيار الخطوط والألوان والقياسات المطبعية التي تُرضيك بنقرات رشيقة.. وتُمكنك من أن تنتقي لعناوينك خطوطا كالرقعة والثلث والفارسي  مُصممة بإتقان واحترافية.. ما لم تكن لتحلم به إلا إذا دفعت مالك لخطاّط هاوِ بعد أن تجده بشقّ الأنفس !

ولكنك – مع هذه الآلة الصماء – لا تملك الكلمة تماما ولا تلمسها ولا تشمّها كما على الورق، أنت فقط تنقر أزرارا متتابعة بآلية وتكرار مملين لترتص الكلمات أمامك على الشاشة وفق ما طلبت.. فهل تستوي الكتابتان ؟..

ثم ما السر وراء هذه العملية أصلا ؟.. الكتابة. لا شك أنها أرخص طريقة لتدوين العلوم والآداب والأخبار، لكن كيف أجمعت عليها البشرية منذ فجر التاريخ ؟ وكيف لم تنقرض أمام هذه الثورة الإلكترونية الهائلة ؟ وهل هي في طريقها للانقراض ؟

لطالما تساءلت عن سر تواجد المكتبات مليئة بالأسفار إلى يومنا هذا الذي لم نعد نرى فيه – بالعين المجردة – قارئا يقرؤ في كتاب.. اللهم إلا حاملي الجرائد الذين لا تدري إن كانوا يقرؤون أم يعدّون خطوات المارة !

من يقرؤ اليوم ؟.. القليل النادر، وهل تفتح هذه المكتبات أبوابها فقط لهؤلاء القلة، الذين شذّوا عن تقاليد المجتمع وتجرؤوا على حمل الكتاب ؟ أي ربح يجنيه بائعوا الكتب إذا ؟.. أم لعل معلوماتي عن الاقتصاد هزيلة للغاية !

يُحزنني ألا أرى في مجتمعي المادي هذا، من لا يحمل كتابا للرافعي تحت إبطه أو مجلدا لابن القيم، ينظر فيه ويدون ملاحظات على دفتره.. مُحزن هذا لمن يريد لأمته الخير والمجد، ويريد لو نعلوا على الذين يهزؤون بنا علوا كبيرا..

وأقبح من ذلكم ما يعتذر به أكثرهم إذا ما سألتهم (لم لا تقرأ ؟)، فيجيب مباشرة دون تلعثم ويتكلم ليقول شيئا عن هموم الحياة وصعوبتها وعدم تفرغ الذهن لمثل هذه الأشياء، (إنها قنينة الغاز والحفاظات والطماطم كما تعلم !)

هذه أعذارنا.. وهذه حياتنا للأسف، رحمة الله على الأدب والأدباء ورضي الله عن العلم والعلماء..

أوليس في القراءة هروب مؤقت من الواقع ومنغصاته ؟ أليس فيها استراحة نسبية من أشجانه وأتراحه ؟.. أليس الأصل أن يدفعنا ملل الحياة وتكرارها وهمومها التي لا تتوقف إلى اقتناص أوقات نرحل فيها إلى عوالم بديعة، نجدها بين دفتي كتاب نافع ؟

لكننا بتنا اليوم نفضل الهروب إلى فلم أمريكي بترجمة عربية ركيكة.. أو إلى مباراة كرة بين فريقين لا نعرف حتى نطق اسميهما.. أو إلى لعبة وهمية على شاشة الحاسوب، لا تبذل فيها مجهودا اللهم إلا تحريك إصبعك دون توقف !.. وهكذا كُفينا عناء القراءة والكتابة والإبداع، والحمد لله رب العالمين.

العبوا يا قومي فما فاز إلا اللاعبون.. يكفينا اللعب والنوم والشكوى والزواج والطلاق.. يكفينا الاستهلاك فحسب. وإياكم والكتب فإنها تعض !.. لا كتاب يهم غير الكتب المدرسية الملونة ولا كتابة تنفع غير كتابة الحسابات البنكية بخط عجول على ورق السكر !

لسنا متفرغين لهذه الأشياء طبعا.. الحياة صعبة، إنما الأولى والأهم: قنينة الغاز والحفاظات والطماطم.. كما تعلم !

رفعت خالد المزوضى – 24 أكتوبر 2014

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s