مقالات حرة

اكتشفتُ الأدب !


اكتشفت الأدب

أقتعدُ مقعدا بسطح البيت والساعة ما بين العصر والمغرب.. الأجواء منعشة رائعة والأفكار تتهافت بذهني مُتدافعة مُسرعة، وأجدني – كعادتي – أعنى بتهذيبها وترتيبها حتى تخرج من رأسي في نسق منطقي، وإلا ظلّت على طبيعتها في فوضى لا أول لها ولا آخر ولغو لا ماضٍ له ولا حاضر..

أستطيع القول أني (اكتشفتُ) الأدب قبل أيام !.. نعم، وأقول أن ما كنتُ أظنّه أدبا فيما سبق أراه الآن مُجرد مُحاولة محمومة لترجمة فكر الغرب ومناهجهم في الحياة وفنهم وجِدّهم وهزلهم وشعرهم ونثرهم.. كما لو كنا مخلوقات دون البشر، ليست لنا ثقافة كما لهم ثقافة، ولا لنا تاريخ كما لهم تاريخ.. ولأدبُ العرب – والله – ببلاغته وبراعته وعُمقه وتغلغله في أعماق النفس البشرية أحسنُ وأرقى وأجلّ وأسمى وأثقل وأعلى درجة من أدبهم وما يكتبون..

اقرأ إن شئت شعر أبي الطيب أو شيخ المعرّة، أو اقرأ نثر ابن المقفع أو الزبيدي أو اطلع على (خزانة الأدب) للبغدادي ثم أرني نظيرا لهم أو شبيها في نظم أولئك ونثرهم..

لا أعلم – إن سألتني – السرّ من وراء ذلك.. ولكن ثق أن للعربية حكمة يعرفها العقل السليم، ولها في الأذن وقعٌ، ويجد لها ذو الشم مثل النسيم.

(اكتشفتُ) الأدب وخطورته في رقي الأمم أو خرابها بعدما قرأتُ للعلامة شيخ العربية أبو فهر محمد محمود شاكر رحمه الله تعالى، (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) التي صدّر بها كتابه الضخم التحفة (المتنبي)، وإني لأسائل نفسي كيف كنت لِأعرف أن الصحوة الأدبية التي انفجرت بمصر في مطلع القرن الذي سبق كان معظمها فاسدا لولا الله ثم هذا الرجل العظيم رحمة الله عليه..

فهذا طه حسين يريد هدم الأدب الجاهلي ويسخر من المسلمين ودينهم وثقافتهم.. وهذا نجيب محفوظ يهزأ من الله جل في علاه ويصور قتله في روايته القذرة (أولاد حارتنا).. وهذا (سيدهم) قطب يكفّر ويُفسّق بعض صحابة النبي رجما بالغيب.. فتصدى لهم أسد العربية محمود شاكر رحمه الله بسلسلة مقالات كأنها الجياد تضرب الأرض فتثير الغبار.. أسكتت قطبا وألجمت لسانه وشلّت يراعه.. ثم هو – بعدُ – لم يرجع عن غيّه.

وإنني أريد باكتشافي للأدب هنا أني وقفت أخيرا على ما يستحق تسميته أدبا.. قلم رشيق هفهاف وعقيدة قوية مصفّاة وثقافة واسعة منتقاة.. حتى أني لم أر مثلها اتساعا ورحابة.

وهكذا أبصرتُ الطريق إلى جزيرة الأدب شاقا، عسيرا تُدقّ دونه الأعناق.. طويلا لاحبا تفتر دونه الأشواق.. لكنه – مع ذلك – مطلبٌ نبيل يستأهل كل تلكم المشاق، فبه يُحاط إرث أجدادنا الذي فيه آخر الرسالات السماوية لأهل الأرض، منزّلة بهذه اللغة الرّاقية المعجزة.. وبهذا الأدب الرفيع ندفع في صدور الأنداد أعداء لغة الضاد.

هو مطلبٌ يستأهل كل الجهد، لأن به نكون أو لا نكون.. فهل ترى أمة بلا لسان ؟ فماذا يكون إن ذهب أدبنا وامّحت أخلاقنا وبهت تاريخنا ؟ ألسنا نصير إلى تشوه وهجانة واختلاط ! حتى يسموننا أمة معاقة !

ثم هي غاية لو أدركناها لرفعنا الراية العربية الإسلامية عالية تخفق بعزة حتى يراها كل رائي، فتخلب لبّه بألوانها وشموخها..

وإني أحمد الله من قبل ومن بعد أن أراني وفهّمني هذه الحقائق، وبخاصة في هذا الزمان الذي ابتلينا به، إذ كثُرت – كما ترون – الأهواء.. وتوالدت المناهج الأدبية الرديئة، وقلّ – والله – من يحمل مثل منهاج شاكر وأدبه وعزيمته الحذّاء..

فإن أنا قدرت أن أحمل يوما هذا القلم الثقيل لأضربنّ به على أمهات رؤوس أولئك المندسين الخونة مجاهدا في سبيل الله ودينه.. إن قدّرني الله على ذلك فذاك، وإلا فما شاء الله يكون، ويكفيني فخرا أن أمتّع ناظريّ بأدب هؤلاء الأجلاء الذين أثلجوا صدورنا بأقلامهم المباركة في عصر (الأدب البلاستيكي) هذا.. يشرفني – بحق – أن أطالع ما خطه هؤلاء الفحول.. رحمة الله عليهم ما أشرقت شمسٌ ورحمة الله عليهم عند كل أفول.

رفعت خالد المزوضي

18-09-2014

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s