وتستمر الرحلة..


وتستمر الرحلة

بسم الله الرحمن الرحيم..

وتستمر الرحلة..

لستَ أنت من تُدبّر ما حولك، فلا تكثر من الزّفرات ولا تذهب نفسك حسرات.. وإنما خالق الكون هو المتصرّف المدبّر الحكيم.. ولا تحسبنّ أن أحدا من الخلق يمكنه أخذ شيء من رزقك..لا والله، ولا حبّة قمح يستطيع أحدٌ حبسها عن منقار الطير المكتوبة له.. فاهنأ بالا وطب نفسا واسترح..

الناس ضعافٌ مثلك، لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا.. فلا تجزع ووحّد همومك في جهة واحدة، وارفع مسألتك لركن واحد.. واطلب حاجتك ممن هو أهلٌ لتحقيقها.. الله الواحد الأحد، الفرد الصّمد.. الذي ليس له مثيل ولا يُشبهه أحد، ولا شريك له ولا ند.. سُبحانه الإله الحق، تعالى في علياءه عما يُشرك المشركون، وتقدّست أسماؤه عما يصفه به الجاهلون.. وإياه وحده نسأل أن يقبل توحيدنا وينقيه من كل شائبة لا تُرضيه ومن كلّ فعل خبيث أو حركة أو سكنة بالجد أو الهزل تسخطه وتُغضبه.. إني إذا لأبرؤ منها وأبغضها وأمقتها وإن أتيتها ضُعفا مني أو جهلا أو غفلة أو شهوة أو غضبا فإني أسأله سُبحانه أن يعفو عني.. فإن عفا عني ورحمني فلا أبالي بعدها بالشامتين الساخرين ولا بغيرهم من الحاقدين..

وتستمر الرحلة..  

أكتُبُ أكتب حتى أصيرَ – إن شاء الله – كاتبا.. دون أن ألقي لذلك بالا.. هكذا تبدو لي الأمور..نصير كبارا دون أن نشعر.. فلا يستيقظ الواحد منا يوما لينظر في المرآة مستغربا ثم يصيح وقد انعقد حاجباه: (عجبا !.. إني لم أعد طفلا !)..

ربما نتزوج كذلك دون أن نشعر.. نحزن دونما سابق إنذار.. وننطلق على حين غرّة ضاحكين ببلاهة من منظر سخيف أمامنا.. نشتهي الطعام دائما كأننا سنأكل لأول مرة !.. نشتهي النساء فجأة كأنهن حور العين.. يزداد وزننا ونحن غافلين.. وقد تجلس تراقب حفيدك يجري بمرح وتتساءل منذ متى – يا ترى – صرتُ جدّا ؟..

وتستمر الرحلة..

إن الأحداث بشريط الزمن كثيفة جدا حتى لم نعد نميز البدايات فيها من النهايات.. ولا نملك القدرة على التدبير والتصرف في كل صغيرة وكبيرة حتى لا تخفى علينا خافية، ولا يباغتنا أمر لم نضعه في الحسبان.. وإنما ذلك للخالق العظيم وحده..

كذلك يأتي الموت دون حتى أن تجد الوقت لتتساءل كيف ومتى حدث هذا !.. 

نحن فقط نمشي فوق التراب الذي خُلقنا منه ونُقبر فيه.. منا من يعبد خالقه كما أُمر ومنا المقتصد والمقصّر ومنّا الكافر..

ويستمر هذا الوجود العجيب بجماله وقُبحه وخيره وشره وكل الأضداد تمتزج فيه بشكل عجيب حتى لتعجز عن القطع بأحدها دون الآخر.. فهل الحياة جميلة أم قبيحة ؟.. شخصيا، لا أدري !..

وتستمر الرحلة..

ويتقدّم شريط الزمن إلى الأمام ونحن فيه كالدّمى.. ضعاف، جزعين، حريصين إلى حد اللهاث، أنانيين.. بل مرضى نفسيين.. لا نكف عن الحركة والتشغيب أينما حللنا وارتحلنا، ونفرح بأجهزة صغيرة عندنا تتلألأ بأضواء ملوّنة.. منها ما يُصدر أصواتا وعزفا، ومنها ما تخرج الأوراق منه وتدخل، ومنها من لها عجلات تسير بها مسرعة على الأرض، ومنها ما ترتفع محلقة في الجو، ومنها ما يحفر الأرض ويتوغّل فيها، ومنها ما يغوص في البحار إلى أعماقها، ومنها ما يطلق اللهب والبارود، ومنها صواريخ عابرة للمدن والحدود..

نفرح بها ونسارع لاقتنائها كما يفرح الأطفال بألعابهم.. ونتنافس في جمع المزيد منها.. حتى يبيد بعضنا بعضا.. ثم ننفخ صدورنا متعاظمين.. فيتعاظم مجرم الحرب بإجرامه، ويتعاظم سارق أموال المساكين بسرقته، ويتعاظم الملحد بفكره وفلسفته.. ألسنا نثير الشفقة والحسرة ؟

قال ربنا عزوجل: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} يس 30

نسأل الله أن يلطف بخلقه، لاسيما من آمن منهم بالله وصدّق المرسلين وكفر بكل ما يُعبد من دون الله وحاربه وحذر منه الناس والأقربين، وكان مائلا عن الشرك والبدعة وطرق الفلسفة والإلحاد في دين الله وأسمائه.. وحافظ على فطرته طاهرة نقية ما استطاع..

وتستمر الرحلة..

فلنكن كما أُمرنا ولنجلس بأدب ننتظر نهايتها.. فليس لنا ولا منا شيء.. وشئت أم أبيت سوف تستمر الحياة كما خُلقت.. لن تغيرها كما يحلو لك، ولن تمنع الموت ولن تجمع بين الحق والباطل وقد فرّق الله بينهما، ولن تحصّل من حطامها إلا على ما كتُب لك، بل لا تستطيع حتى منع رزقك المكتوب لك، ولا غيرك يستطيع.. إنما أنت ماض في هذه الحياة كما شاء خالقها وخالقك.. تمر بأطوارها كما هو مكتوب بالضبط.. ولا يظلم ربك أحدا، بل يجازينا بما كسبت أيدينا.. ويعفو عن كثير، لا كما عند أرباب الفلسفة الجبرية الضُلاّل، من أننا (مجبورين) على ما نفعل !..

وتستمر الرحلة..

فكن (ولدا مُطيعا) وابق مكانك حيث أُمرتَ، ولا تُثر فوضى أنت في غنى عنها !

وصلى الله وسلم وبارك على جميع الأنبياء والمرسلين وعلى خاتمهم سيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين..

رفعت خالد – 19-05-2014

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s