ردود

الرد على الذي قال أن الحقيقة المطلقة لا توجد !


الرد على الذي قال أن الحقيقة المطلقة لا توجد

بسم الله الرحمن الرحيم..

الحمد لله رب العالمين، الذي خلقنا وسوّانا وجعلنا مبصرين، وأرسل إلينا رُسلا مبشّرين منذرين، فرّق بهم بين الحق الصّراح والباطل المبين.. ثم الحمد لله أن امتنّ علينا فجعلنا مسلمين مؤمنين محبين للسنة ولنهج السلف الصالحين.

والصلاة والسلام على كل الأنبياء والمرسلين، وعلى هذا النبي الكريم محمد عبد الله ورسوله، بأبي هو وأمي وكل الأقربين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر المُبشّرين والأنصار والمهاجرين وكل من سار على دربهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

لستُ عالما ولا مريدا للشهرة ولا مُكفّرا بغير حقّ ولا حزبيا أدعو لراية حزبي.. إنما عبد مذنبٌ يسأل الله – مثلكم – النجاة من عذابه، وليس هذا ردّا علميا صرفا، وإنما هو رد بسيط مثلما ترد أنت مئات الردود على الفيس بوك..

أردّ على كلام خطير قيل لي، بحثت عنه وعرفت منشأه وأصله فأردت أن أفيد إخواني ومن بينهم ذاك الذي قال هذا القول الطائش.. وقد ناصحته وحذرته وبينتُ له حقيقة ما يقول وأنه قيل قبله، وبينت له ما صار إليه أولئك الأقوام الذين قالوه، لكنه أبى وعاند واستكبر وحاد عن موطن النزاع واتهمني بـ(جريمة) النسخ واللصق ! وأني من ذوي العقول المتحجرة التي لا تُفكر وتكتفي بالتقليد الأعمى.. وبأني – ومن على شاكلتي – نُشرك بالله لأننا نرى علمائنا (آلهة) والعياذ بالله ! ما يستحيل أن يخطر – طرفة عين – على بال من له شيء من العقل يسير، فضلا عن الذي شمّ رائحة التوحيد !

وكيف نسى هذا أن الإسلام استسلام للحق وانقياد للرب بالطاعة والعبادة التي اترضاها لنا دون مناقشة ولا تحليل ؟.. كيف نسى أن العبد يفتخر بكونه عبدا لله، ذليلا بين يديه.. وليس الذل لأحد محمودا إلا له عز وجل.. فكيف نرفض الاستسلام للشرع السماوي الحكيم كما نرفض الاستسلام لرأي صديق حول طبق الغذاء المفضل ؟.. ونسمي هذا تحجر عقل وتقليد ؟.. هل يعقل هذا ما يخرج من رأسه أم أنه يتظاهر بعدم الفهم ويتفلت منزلقا كالزئبق كلما حاصرته بالأدلة العقلية والنقلية ؟.. أم يريدني أن آتي بآية من عند نفسي حتى يرضى عني ؟ وهل أتى هو بمعتقده ولبسته وفلسفته من عند نفسه ؟ أم أخذها عن أناس وكتاب وفلاسفة يحزن لموتهم حتى أنه نعى بعضهم على حائطه الفيسبوكي ؟.. وهل كل من أتى بمنهج من عند نفسه يُمتدح ويُصفق له دون النظر إلى حقيقة هذا المنهج ؟ وهل كل من قلّد يُسخر منه ويُعاب ؟ ينبغي – إذا – أن نعيب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يتبعون نبيهم حذو النعل بالنعل، حتى أنهم كانوا يتبركون بنخامته ؟ فما رأيه بهذا الاتباع يا ترى ؟ أولئك الرجال الكرام الذين رضي الله عنهم من فوق سبع سماوات..

فالله يهدينا وإياه، والله يعصمنا وإياكم من الخروج عن الصراط المستقيم الذي أرسل الله الرسل ليبينوه لنا فنقلدهم تقليدا ونتخذهم إسوة ودليلا حتى نهتدي وننجو من طرق الزيغ والضلال التي ضل فيها من ضل ممن حكّموا عقولهم القاصرة ونفوسهم المريضة الأمّارة بالسوء..

قال تعالى: (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

وثبت عن رسول الله – عليه الصلاة والسلام – أنه قال: (الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله !؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله،  ولأئمة المسلمين وعامتهم). رواه مسلم

فردي هذا نصيحة – من جهة – بما أعلم من الحق دون تعمق في ما لا علم لي به، وهو هجوم – من جهة أخرى – على هذا الفكر المتفلت لا على أشخاص بعينهم.. فأصحاب الحق لا يسكتون على الحق ولا يرضون حتى يروا الباطل أسفل الأقدام !  

* * *

إن الإنسان بلا إيمان يعيش حياة ضائعة بلا شك.. تذهب به الفلسفات يمينا وتعود به شمالا.. ثم لا يستقيم على طريقة..

{ فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ } يونس 32

ولا شك أن الإنسان وحده لا يقدر على الإحاطة بعلم الخالق الذي خلق كل شيء، وأحسن خلقه، وما هو إلا جزء من خلقه.. يعلم الناس هذا جيدا ثم يتكبر بعضهم ويفضل المجازفة القاتلة والهلاك السرمدي – عياذا بالله – على أن يعترفوا ويتواضعوا للخالق ولنبيه ولأهل الحق.. حفظنا الله وإياكم من هذا الحال.

وإن من أعظم الخذلان أن يعيش الإنسان يومه وليلته لا يُحكّم شرع الله ما استطاع، بل يتكبر عليه ويتحدّى أهله ويتطاول على كل ناصح، ويتبع خطوات الشيطان الذي غاية الغايات عنده أن يخرجه من دائرة الدين حتى يكون معه في الجحيم من الخالدين، ثم إنه يتبرؤ منه.. وهل يبغي الشيطان أكثر من هذا ؟

(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) سورة الحجر

إلا أن الأمر لا يكون بسيطا مُباشرا يسهل تفاديه لكل أحد.. إذ لا يقول الشيطان لأحدنا فجأة: (اكفر لتخلد معي في الجحيم أرجوك) !.. بل إنه – عياذا بالله منه – يُبعده عن مصادر الوحي التي هي طوق النجاة.. يُبعده شيئا فشيئا ويُكرّه له كل ما يمتّ لها بصلة رويدا رويدا.. فيُكرّه له كل عالم يقول قال الله قال رسوله ويوهمه أن كل من يُفتي إنما يُفتي عن هواه.. يُكرّه له كل ذي لحية وثوب قصير وإن كان يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذو لحية وأمر بها وبالتقصير.. لكنه يقول هؤلاء منافقين، متناقضين، مدّعين، جهّال مُقلّدين.. وكأن الأصل فيهم العصمة.. وكأن المسلم أو الملتزم بالسنة يستحيل أن يخطئ ومحال أن يُذنب.. ولو كان ذلك كذلك لمن يغفر الله إذا ؟ وممّ يُتاب ؟.. فهو يضع أمامك أمرا تعجيزيا مستحيلا، إذا أردت أن تنصحه فكن مثاليا معصوما لا تخطئ البتة وإلا فلا (تفتي) في الدين !.. ومادام أنه لم  يستطع الاستقامة والتمسك بالسنة فإما أن يكون هؤلاء مثاليين وإما أنهم منافقين ولم يجدوا الجرأة مثله ليعترفوا بـ(إنسانيتهم) !.. فنعوذ بالله من هذه الشبه والضلالات..

أما الكفار والملاحدة فهم – عنده – مثقفون يحيون حياة جميلة.. منظمون، عادلون، أذكياء ومبدعون.. وهكذا تبدأ المفارقات والمقارنات والشبه تعمل عملها رويدا رويدا.. حتى يختلط عنده الحق بالباطل ويمتزج الخطأ بالصواب، فيشك في الخطأ ويشك في الصواب.. ليقول أخيرا: (كل شيء نسبي ولا توجد حقيقة مطلقة !)

فلما أخبرني بذلك وربطه بالحديث عن الديانات الأخرى و.. (ماذا لو كنت نصرانيا أو يهوديا ؟) و (ألا ترى كيف يدافعون عن عقيدتهم بمثل الشراسة التي تُدافع بها عن عقيدتك ؟) و.. (أما أنا فلا أرى ذلك.. فكل شيء نسبي عندي والحقيقة المطلقة لا توجد).. هالني الأمر واستبشعته جدا !.. فالذي قال القول كنت أعرف عنه الرصانة واحترام الدين والسنة.. بل كان لا يُصافح الفتيات عندما كنت أفعل أنا ! غفر الله لنا أجمعين.. وكان يجلس القرفصاء كلما أراد الشرب ولما كنتُ أسأله عن السبب كان يقول (السنة يا أخي.. دع عنك الناس) !

فاللهم ردّ إلى الحق من ضلّ منا، فإنا لا نريد لإخواننا إلا الخير ولو اشتددنا عليهم أحيانا فنحن – إن شاء الله – أنفع لهم من تلك الجحافل المطبّلة، المزمرة من المعجبين والمعجبات !..

* * *

ما هو لون الحياة الحقيقي وسط كل الألوان التي يملأ أعيننا بريقها ؟ وكيف ينبغي لنا رؤية هذا الوجود ؟ أكما يراه الأمريكي أم الفرنسي أم كما يراه الرجل المغربي أم اللبناني أم كما يراه الكاتب الفُلاني، أو الفيلسوف العلاّني ؟

لا تقل إن الأمر نسبي.. فنحن هنا لسبب قوي وليست الحياة عبثا كما يقول العبثيون ، فما هو هذا الهدف السامي إذا لوجودنا ؟ وكيف ينبغي أن ننجزه ؟

(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56

وهل من تعاليم ؟ هل من مصدر موثوق نلجؤ إليه حتى نتخلص من النزاع والمذاهب العقلية التي لن تنتهي، فإن لي عقلا ولك عقل، لي أنانيتي ولك أنانيتك ولن تتمكن مني أبدا لو أردت الفلسفة، ولأدوخنّك تدويخا !.. لكن هلا توقفنا عن كل هذا العبث وبحثنا عن (كتاب التعاليم) الذي لا هو لي ولا لك.. كما أن للجنود في ساحة الوغى مهمة واحدة وهي القتال والدفاع عن الوطن بخطة معدة مُسبقا.. فلا ينبغي أن تختلف المهمة حسب رأي كل جندي وهواه !..

فهذا مذهب النسبية الذي لم أكن أعرفه قبلها، والحمد لله أني عرفته الآن وعرفت حقيقته وبُطلانه، فلعل الله يبارك في هذه الكلمات القليلة حتى أحذره وأحذّر إخواني منه، والله المستعان..

يقول ياسر بن عبد الله في إحدى مقالاته: (النسبيةُ – بشكلٍ عام – هي مبدأ فلسفي يرى أنَّ كلَّ وجهاتِ النظر صحيحةٌ شرعيةٌ متساوية، وأنَّ كل الحقائق نسبيةً إلى الفرد. وهذا يعني أن كلَّ الأوضاعِ الأخلاقية، والأنظمةِ الدينية، والأشكال الأدبية، والحركاتِ السياسية؛ حقائقٌ نسبية للفرد. فيُقال: إنَّ الحق الذي يدعيه (زيد) من الناس شيءٌ غيرَ الحق الذي يدّعيه (عمرو)، فأيهما أحقّ بالحق؟! وأيهما أولى بالاتباع ؟! وأيّهما الذي يملك الحقيقةَ المطلقة، فيملك معها تخطئةَ غيره، والقطعَ بضَلال مذهبه ؟!.

وهذه التساؤلات ونحوها أثارها الفلاسفةُ قديماً، ونوقشت كثيراً في كتبهم وملتقياتهم، فطرقتْ أسماع الناس مقولة: (الحقيقة المطلقة لا يطالها أحد)، أو (لا أحد يحتكر الحق والصواب)، أو (ليس ثمةَ إلا الحقيقةُ النسبية)، أو (الحق المطلق لا يملكه أحد)، وغيرِها من العبارات المشابهة.. وفحواها: أنه لا أحد يمكنه القطع بأن معتقده هو الحق، وأن معتقدَ غيره خطأٌ قطعاً، وأقصى ما يمكنه الجزم به أن رأيه صوابٌ يحتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب، وهو ما يُسمى بنسبية الحقيقة. فنسبيةُ الحقيقة تقتضي أنْ «ليس هناك أحد يقول أن منهجي وطريقي هو المنهج الصحيح الوحيد، لذا يجب أن لا نقهر أحداً على قبول منهج ما أو طريقة معينة» ). اهـ

أليس هذا كلامه ؟ أليست هذه فلسفته ؟ بلى.. عرف ذلك أم جهله. وقد وضحتُ له ذلك وبينته له إن كان من ذوي الألباب المعتبرين..

وهذا من فكر الليبيرالية التحررية التي يحاول أربابها الهرب من كل قيد ديني يرونه استعبادا، فقد وصل بهم الانحراف إلى عبادة الحرية حتى ضحوا في سبيلها بكل شيء.. ولكن.. فلتشفع لهم الحرية يوم القيامة !

واصل ياسر كلامه عن النسبية قائلا: (وقضية النسبية (Relativism ) في الحق أو في الأخلاق قضية فلسفية، تتناحر حولها الفلسفة منذ أن عرف الإنسان الفلسفة، وكعادة الفلاسفة في مناقشة القضايا تتعقد وتتشابك الآراء، والفلاسفة وحدهم هم الجديرون بأن يغرقوا في مثل هذه المباحث، وهل استطاعت الفلسفة يوماً ما أن تحل لغزاً؟!.) اهـ

ولن يفعلوا.. فما هذه الطريق التي يمشي فيها بعض إخواننا ؟ إنها طريق مسدودة مشى فيها قبلهم من هم أكثر دهاء وذكاء وعلما وخبرة وحنكة.. فسقطوا في هاوية الكفر والإلحاد عياذا بالله.. وقد عاد آحادهم ممن يعدون على رؤوس الأصابع يحذرون من طريق الفلسفة وأهل الكلام في كتب ومصنفات ككتاب (تهافت الفلاسفة) للغزالي.. فهلا اعتبروا ؟

وأكثر ما ينقض هذه الفلسفة (الغبية) هي ذاتها.. فكيف نأخذ القول بأنه (لا حقيقة مطلقة) على أنه حقيقة ؟.. ما الدليل على صحته ؟ وكيف تقبل هذه الحقيقة ولا تقبل غيرها ؟ فلا تقبل بوجود حقيقة مطلقة.. أليس هذا تناقضا ؟

أم أنه فقط قول (غبي) للتفلت من كل نص وكل فتوى صائبة كانت أم خاطئة.. بدعوى أننا لا نملك دليلا على صحة منهج بذاته !

فوجود الله حقيقة مطلقة.. والإنسان لم يوجد نفسه من العدم.. هذه أيضا حقيقة مطلقة.. وما أراده الله لعباده حق مطلق وغيره الباطل..

وكما قال ياسر:(ولو لم يكن ثمةَ حقيقة مطلقة يمتلكها أحدٌ فيحتكر فيها الصواب؛ لكان أمرُ اللهِ بلزوم الحقِّ واتِّباعه عبثاً لا معنى له؛ لأنه على ضَوءِ هذا المبدأ حقٌ لا وجود له إلا في الذِّهن وأما في الواقع فهو نسبيٌ يصح أن يكون حقاً في عقلٍ، باطلاً في عقل آخر!، والله تعالى يقول: ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” [الأنعام: 153] ولنتساءلْ: أين هذا الصراطُ المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه إذا كانت الحقيقة نسبية؟!، وأين هي تلك السبل الضالة التي حذرنا من اتباعها إذا كانت الحالة كذلك؟!.) اهـ

وقال: (ثم إنه لو كانت الحقائقُ كلُّها نسبيةً، ليس فيها شيءٌ مطلقٌ لا يصح لأحدٍ أن يحتكر الصواب فيها؛ لما جاز أن يُهلِك اللهُ سبحانه الأممَ السابقة على تكذيب رُسلها؛ ولو كانت الحقائق كلها نسبيةً ليس فيها قطعيٌ يقينيٌ لما جاهد النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكفارَ على أصول الإيمان، ولعذرهم على مخالفتهم) اهـ.

أليس هذا هو المنطق السليم الذي يقبله كل عقل سليم ؟..

أما الخطأ في الفهم والتأويل الفاسد فقد يقع من الإنسان حتى لو كان ذا فضل ونية حسنة.. لكن ذلك يُصلحه غيره من ذوي العلم والفضل بأن يبينوا البراهين على خطأ هذا الفهم، والغاية دائما واحدة، هي معرفة أوامر الرب ونواهيه، وقد يسرها الله عز وجل في كتابه.. ولذلك لا تُجمع الأمة على باطل أبدا، فالإجماع معصوم.. فلم يبق إلا الخداع والتحايل واتباع المتشابه من الكتاب بغرض الفتنة والتأويل والتشغيب، وعاقبة ذلك وخيمة، لأن الله يعلم ما في القلوب وما إن كان الإنسان حريصا على الحق أو حريصا على هواه وعلى نشر الفتنة والسخرية من أهل الحق.. وقد يختم على قلب المخادع الذي رد الحق ولم يقبله، فلنحذر هذا بارك الله فيكم..

ومسألة المجتهد المخطئ الذي له أجر واحد قد تكلم فيها شيخ الإسلام بكلام نفيس وتفصيل منطقي، لخصه الأخ ياسر في مقاله كما يلي:

(المجتهد في الأمور الاجتهادية الظنّية إن أخطأ حكم الله فهو مصيب من جهة ومخطئ من جهة أخرى، وله أجرٌ على اجتهاده كما نص عليه الحديث. فهو مصيب باجتهاده وبذله الوسع في الوصول للحكم الشرعي؛ وذلك لكونه بذل ما أمر الله به، فالحكم الذي وصل إليه باجتهاده وجب عليه فعله شرعاً، ولا يأثم بعدم موافقة حكم الله وذلك لاجتهاده، وإن كان هو في نفس الأمر مخطئ في إصابة حكم الله الذي يعلمه الله، والذي هو واحد في قول المجتهدين لا يتعدد. ومتى علم وتبين له من الشرع ما ينقض اجتهاده أثم بالإعراض عنه وعدم العمل به) اهـ

ثم إن الله عز وجلّ الحكيم الرحيم، لن يتركنا في عالم من الحقائق (النسبية).. حتى لا نتبيّن الطريق المستقيم.. ولا نعرف السبيل إلى دخول الجنة والنجاة من النار ؟ ولذلك أرسل الرسل عز وجل رحمة بنا وحرصا.. ثم انظر إلى القرآن – مادمت مؤمنا به – كيف هو خطابه ؟ هل يُقر كل مذهب ودين واعتقاد ؟ أم يشرح اعتقادا واحدا ودينا واحدا ويحذر ويكفر ويتوعد أصحاب المذاهب الأخرى ؟..

هو طريق واحد إذا.. دعوة واحدة، جماعة واحدة.. وهي الحق.. والحق المطلق الذي جاء به جميع الأنبياء.. فردنا لهذا تكذيب لكلام الله.. وذلك كفر.. الذي يرد كلام الله عن علم ويقول بعكسه عنادا كافر.. ولستُ أكفر أحدا بعينه.

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «حُكي عن بعض السوفسطائية أنه جعل جميع العقائد هي المؤثرة في الاعتقادات، ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد » الفتاوى 19 / 135.

وعن أقسام هذه الفلسفة الخبيثة يقول الشيخ عبدالقادر بدران في حاشيته على “روضة الناظر”: « وهم فرقٌ ثلاث: إحداهن اللاأدرية؛ سموا بذلك لأنهم يقولون لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون في ذلك. الثانية: تسمى العنادية نسبة إلى العناد؛ لأنهم عاندوا فقالوا لا موجود أصلاً، وعمدتهم ضرب المذاهب بعضها ببعض، والقدح في كل مذهب بالإشكالات المتجهة عليه من غير أهله. الثالثة: تسمى العندية نسبة إلى لفظ “عند”؛ لأنهم يقولون أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئاً فهو في الحقيقة كما هو عنده وفي اعتقاده » اهـ

فما مذهبك بالضبط  يا هداك الله ؟؟

وقد ردَّ الإمام ابن حزم – رحمه الله – في كتابه ” الفصل في الملل والأهواء والنحل ” على أصحاب هذا الفكر المنحرف، فقال رحمه الله:

«ويقال – وبالله التوفيق – لمن قال هي حقٌ عند من هي عنده حق، وهي باطلٌ عند من هي عنده باطل: إن الشيء لا يكون باعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل، وإنما يكون الشيء حقاً بكونه موجوداً ثابتاً، سواء اعتُقد أنه حق، أو اعتقد أنه باطل. ولو كان غير هذا لكان معدوماً موجوداً في حال واحد في ذاته، وهذا عين المحال. وإذا أقروا بأن الأشياء حق عند من هي عنده حق، فمن جملة تلك الأشياء التي تُعتَقد أنها حق عند من يعتقد أن الأشياء حق بطلانُ قولِ من قال إن الحقائق باطلة، وهم قد أقروا أن الأشياء حق عند من هي عنده حق. وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء، فقد أقروا بأن بطلان قولهم حق !!، مع أن هذه الأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل البتة، إذ حسُّه يشهد بخلافها. وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المتنطِّعين على سبيل الشغب. وبالله تعالى التوفيق » اهـ

فأرنا عبقريتك يا من ترد على الإمام مالك ! ردّ أيضا على ابن حزم إن استطعت.. ومعلوم ألا أحد معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ردّ – لا بأس – وأقنعنا وأفحمنا بعبقريتك الفذة !..

ولاحظ قوله رحمه الله: (مع أن هذه الأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل البتة، إذ حسُّه يشهد بخلافها. وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المتنطِّعين على سبيل الشغب) !! 

فذلك التشغيب الذي أردت بقولي آنفا..

وقال الموفَّق ابن قدامة – رحمه الله – رادَّاً على من نُقل عنه مثلَ هذا القول من العلماء: « وقول العنبري: “كل مجتهد مصيب”. إن أراد أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده، فمحال؛ إذ كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقاً، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه، وهذه أمور ذاتية لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها. فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية؛ فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها وجعلها تابعة للمعتقدات » روضة الناظر 3/981.

وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: « هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه… وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال؛ وهذا كفر وزندقة » الفتاوى 19/144 – 145.

فبالله عليكم أيلام من يحذر أخاه من الكفر والزندقة بالأدلة القاطعة ؟.. أيُشكر أم يُهزؤ به ويُشغّّب عليه ؟ وإن لم تقبل نصيحة من يحذرك من هذا أي نصيحة ستقبل ؟.. من يحذرك من بقعة زيت على قميصك ؟ لا أعتقد أنك ستقبلها كذلك ! 

ثم بالله عليك.. احترم عقلك وأخبرني، من أنفع لك آالذي يحذرك من الانزلاق إلى العذاب الأبدي أم معجبة تقول (أحسنت يا فلاااان..) ثم تضع قلبين أو ثلاثة ؟؟

وقد تحدَّث عنهم الإمامُ ابن الجوزي – رحمه الله – في ” تلبيس إبليس ” قائلا: « قال النوبختي: قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مراً، ويجده غيره حلواً. قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه، واللون جسم عند من اعتقده جسماً، وعرض عند من اعتقده عرضاً. وهؤلاء من جنس السوفسطائية؛ فيقال لهم: أقولكم صحيح؟ فسيقولون: هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا: دعواكم صحة قولكم مردودة، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ! ومن شهد على قوله بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه » اهـ

وهذا هو التناقض الغبي الذي ذكرته سابقا !

وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في (الأدلة القواطع) ص4: « أعظمها – أي هذه الأصول – أصلٌ خبيثٌ منقولٌ عن معلّمهم الأول (أرسطو) اليوناني المعروف بالإلحادِ والجحد لرَبِ العالمين والكفرِ به وبكتبه ورسله، وهذا الأصل الذي تفرع عنه ضلالهم: أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية، فليمحُ من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه، بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء، ثم ليكتفِ بعقله، وخياله ورأيه » اهـ

وقال الإمام الشاطبي – رحمه الله – في موافقاته: « الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصلح فيها غير ذلك »

وفي روضة الناظر، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: « الدليل أن الحق في جهة واحدة: الكتاب والسنّة والإجماع ».

وختاما لابد من تخصيص عموم هذا المبدأ (نسبية الحقيقة) كما قال الأخ ياسر بأن (يُستثنى من عمومه أصولُ الدين، وقطعياتُ الشريعة، وهي: كل ما جاء في الكتاب والسنة قطعيَ الثبوت قطعيَ الدلالة، مما لا يحتمل تأويلاً. وتبقى المقولة بعد ذلك صحيحةً في ظنيَّات الشريعة مما يحتمل التأويل ويَسُوغ فيه الاجتهاد واختلف فيه العلماء، وهذه هي التي عناها الإمامُ الشافعي – رحمه الله – بقوله: ” قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقولُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب “.) اهـ

وليس الشك في كل شيء، وخلط الديانات ببعضها والأصول مع الفروع والسنة مع البدعة والتوحيد مع الشرك.. هذا وأسأل الله أن ينفعني وينفع إخواني بما كتبت، وأن يهدي أخانا الذي لازال يُعاند ويُشغّب وأن يرده للحق سالما معافى من مذاهب المشركين ومسالك الفلاسفة الملحدين..  

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

رفعت خالد – 16-04-2014

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s