قصص رعب وتشويق

ماذا وقع في المطار ؟


 ماذا وقع في المطار

   – هنا من فضلك..

   قالها د. أمجد لسائق سيارة الأجرة النحيل فركنت العربة مستجيبة أمام بناء ضخم.. ” مطار الدار البيضاء “.

   نزل الدكتور يحمل حقيبتين بيديه ، و خطا بسرعة نحو بوابة المطار الزجاجية التي ما إن اقترب حتى فُتحت لتنغلق من جديد بعد أن ابتلعته..

   لامس وجنتيه هواء المكيف البارد ، و تسرّب إلى أذنيه صمت عقيم جامد..

   ” غريب ! “

   تمتم بها وهو واقف وسط الساحة الفسيحة للمطار ، والخالية تماما رغم كونه منتصف النهار !

   مطّ شفتيه في تعجّب ، و تقدّم ملتفتا في كل اتجاه..

   الهدوء التام !

   صوت قرع حذائه البني الأنيق على البلاط اللامع..

   الخواء المزعج !

   ” أين الجميع ؟.. أليس هذا الجنون بعينه ؟ متى كان أكبر مطار في أيّ دولة فارغا ؟.. هـل… ؟ “

   وبلع أفكاره لما خرجت من إحدى الزوايا.. كرة ملوّنة تتدحرج !

   كرة كبيرة تدور حول نفسها ببطء ، والألوان تتناوب على سطحها بهدوء مستفز وسط وجوم المكان و موته !

   ” ماذا يعني هذا ؟ “

   ثم.. فجأة ! وقبل أن يحاول الفهم تردّد صدى ضحكات طفولية في المكان ، وصوت ركض لا يعلم مصدره !

   ” تعالا هنا يا وغدان… سمير ! خالد !.. تعالا حالا ! ”

   لابد أنه أبٌ ينادي طفليه اللذين يركضان بمرح.. وهذا البالون لهما حتما. لكنه لا يرى الآن سوى هذا الأخير ، وقد استقر أمامه ساكنا..

   تنهّد بنفاد صبر ، وعقد العزم ، فحثّ الخطى بجدية إلى المكان الذي خرجت منه الكرة.. دارت عيناه خلف زجاج نظارته ، و قطّب جبينه مندهشا لمّا لم يجد سوى كراسيا نظيفة ، فارغة !

   ضغط على صدغيه بقوة حتى يطرد بعض الأفكار الغريبة التي راودته !.. ثم نظر إلى أعلى وهتف بصوت شرخ الصمت :

   ” مرحباااا !.. هل من أحد هنااااا ؟… مرحبااااا !… هيهوووو !… لكن أين الجميع ؟ “

   ” بّووووووووم ! “

   صوت انفجار صدّع المكان و أذنيه ، واقتلع قلبه اقتلاعا فالتفت بذعر صارخ ليرى… الكرة إياها وقد تحولت إلى أشلاء !

   تسمّر مكانه للحظات لم يعرف طولها لأنها امتزجت باللاشيء الذي يطغى على المكان.. ثمّ..

   ” المرجو من السادة و السيدات المسافرين الكرام الوقوف أمام بوابة الخروج.. الطائرة المتوجهة إلى باريس ستقلع بعد قليل “

   كان وقع هذا الصوت الأنثوي الحاد في قاعة المطار كالرّعد الذي يشق السماء في ساعة من الليل ، حيث الكل نيام !

   ” مع من تتكلم هذه المجنونة بالضبط ؟.. ومن يتلاعب بأعصابي هنا ؟ ”

   صعد السلم المتحرك ركضا ثم هرول تائها بين الأروقة ، باحثا عن شيء ما.. حتى توقف أخيرا أمام باب كُتب عليه بخط إلكتروني صارم “غرفة المراقبة و الإعلام”.

   أدار المقبض واندفع داخل تلك الغرفة ، ولم يستغرب إذ وجدها شاغرة – هي الأخرى – إلا من الكراسي و الأجهزة !

   كان مكبر الصوت منتصبا مكانه.. وشاشات أجهزة الكمبيوتر تضيء بوهجها ظلام الغرفة الباردة.. جدران زجاجية تسمح برؤية ساحة المطار التي كان بها قبل قليل وهي خاوية على عروشها !

   وفي الجهة الأخرى منظر خارجي لمكان إقلاع و هبوط الطائرات.. ولا أثر لأي طائرة..

   ” أين إذن هذه الطائرة التي ستقلع ؟! “

   مرّ بمحاذاة الأجهزة و لوحات المفاتيح و هو يلمسها بأصابعه في ذهول !

   ثم توقف فجأة متجمدا و فكّه السفلي يرتعش و ينفتح ببطء.. رجلاه أيضا كانتا ترتعشان !

* * *

أليس هذا الجنون بعينه ؟

* * *

   كان يحدّق بشاشات كاميرا المراقبة التي تعج بمئات المسافرين !

   الغريب أن هذه الكاميرات تصوّر – بالضبط – الساحة التي كان فيها قبل لحظات !

   حوّل نظره بسرعة إلى النافذة الزجاجية الضخمة ، فارتعش قلبه بعنف لما وجد ((نفس الساحة)) خالية ، غارقة في سباتها البارد !

   ” كيف إذن ؟.. “

   بدأت الآن أعصابه تنهار ، فقد أوشك على السقوط أرضا لولا أن يداه أمسكتا بأقرب كرسي !

   لهث بانفعال وعيناه جاحظتان.. ثم التفت ببطء لمّا سمع صوتا ما !

   على شاشة أخرى رأى منظر طائرة وهي تتحرك ببطء في مسارها ثم تندفع بسرعة لترتفع عن الأرض..

   انتقل بصره رغما عنه إلى النافذة الخلفية حيث يظهر فناء الطائرات.. وكان خاليا هو الآخر !

   اعتدل مكانه و بلع ريقه بصعوبة وهو يمشي بحذر إلى حيث “الميكرفون”.. أمسكه بيد مرتعشة ، أدنى فمه ببطء و لبث برهة قبل أن يصرخ:

   ” أينكم يا ناس ؟؟.. النجدة !.. أنا في مكان فارغ… لا.. أنا في المطار ، وإني لأراكم الآن.. لكني لا أراكم ! “

   وما إن أنهى نداءه المستغيث المتخبّط ، حتى نبض قلبه نبضة قوية انتشر صداها بصدره طويلا ، وأحدثت سخونة خنقت أضلعه !

   لقد سمع صوته وهو يخرج من المكبّر.. أنثويا !!

* * *

   ركض.. قفز الدرجات المتحركة بل طار فوقها ، و سرعته كانت تناقض سنه بشكل مخيف !

   قصد البوابة الزجاجية ولم يتوقف حتى اصطدم بها فارتجّت بعنف !.. و نظر إليها بدهشة !

   المفروض أن تنفتح قبل أن يصل إليها !

   رأى المارة في الخارج يمشون بسلام ، وسيل السيارات لا ينقطع عن الانسياب.. شعر براحة باردة تسري بشرايينه وبدأ يشير بيديه و يصيح..

   ثم ثار شيئا فشيئا ، حتى أصبح مسعورا تماما فخبط الباب و ركله ، ثم ضربه برأسه ضربات مخيفة حتى سال خيط من الدم فوق جبهته !

   ولم ينتبه له أحدهم !

   ألاَ يسمعون ؟.. ألن يلتفت واحد فقط ليراه ؟

   صرخ بكل ما أوتي من قوة حتى وهن صوته ، واحمّر وجهه ، و هملت أطرافه ، وانتابته نوبة من السعال الحاد فسكت ثم عاود ضرب الباب بيديه وبأقصى قوة ممكنة حتى كادت مفاصله تنخلع من مكانها !

   قضى عليه الرعب و العصبية الجنونية فسقط على ركبتيه منهارا ، وبكى كما يبكي الأطفال !

   و فجأة.. !

* * *

   – أمجد عزيزي.. أمجد ؟

   – مممم… لا ! لا !.. إنهم يتجاهلونني.. سأموت في هذا الجحيم !

   – سلامتك يا حبيبي ، من هم الذين يتجاهلونك ، و أيّ جحيم ؟

   انفتح الجفنان على عينين محمرّتين كالجمرتين ، تنظران بذعر إلى فوق !.. ثم سرعان ما اعتدل أمجد في فراشه ، و فرك عينيه بقوة وهو ينظر حوله غير مصدق !

   ثم فتح شفتيه الشاحبتين أخيرا ، و وجّه كلامه إلى زوجته الشابة :

   – أين أنا ؟

   قالت سناء وهي تبتسم برقة :

   – لا وقت لديك يا حبيبي.. لقد كان – ربما – كابوسا مريعا ! ستحكي لي عنه بالتفصيل فيما بعد ، أما الآن فأسرع لتلحق بندوة الأطباء في باريس.. الطائرة ستقلع بعد ساعة !

تمت بحمد الله

رفعت خالد

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s