قصص متنوعة

الوتد الذي قتل شجاعة الولد !


 الوتد الذي قتل شجاعة الولد

   على مقعد في تلك الحديقة الهادئة ، كان الثلاثة يتهامسون بجدية حينا و ينخرطون في ضحك جماعي حينا آخر ! وكان خالد هو من يتكلم كثيرا بينما يكتفي الآخران بالإنصات والضحك. كانوا يحيكون خطة للإيقاع بنبيل الذي يراهن دائما أنه أشجع وأقوى شاب على وجه البسيطة !

   وفي اليوم التالي ، خرجوا من محاضرة في الرياضيات و وقفوا – غير بعيد عن الباب – يرقبون الأفواج الآدمية المتدفقة من المدرّج وينتظرون ظهور نبيل ليشرعوا في خطتهم التي راجعوها مرارا حتى حفظوها عن ظهر قلب.

   و لما ظهر “الرجل الشجاع” بدأت القصة..

   حياهم نبيل مبتسما ابتسامة عريضة تكاد تتعدى وجهه ! فاستقبله الثلاثة بمرح و نشاط غير عاديين ! تحدثوا في البداية عن ملل المحاضرة وعن الأستاذ الذي يكره الطلبة ويريد لهم الهلاك و التشرد ! ثم بدأ خالد الكلام و أدار دفته ببطء حتى أخذ يحكي لهم عن فلم رعب – وهمي – شاهده البارحة ، تدور أحداثه ليلا في مقبرة مخيفة ! ثم تساءل بعدها – بتهكم – عن الذي يستطيع أن يعيش نفس التجربة في المقبرة الخارجة عن المدينة ؟ وغمز بعينه من حيث لم يره نبيل !

   نظر الكل إلى هذا الأخير الذي بدا عليه الارتباك وقد التفت متظاهرا بالانشغال ، فسخر منه طه واتهمه بادّعاء الشجاعة و بأنه مجرد كذّاب و محبّ للشهرة ! وكما كان متوقعا ، اغتاظ نبيل و احمرّ وجهه وهو يدفع صدره للأمام و قبل التحدي فورا ! فصفق طه بمرح جنوني مفتعل في حين تظاهر حلّوم بالامتعاض و الملل ، و عيّر نبيل بالعجز قبل أن ينسحب متعللا بموعد هام !.. زاد هذا من حنق نبيل الذي أقسم ليفعلنّ ما قاله خالد !

   و مساء ذلك اليوم ، اجتمع الأربعة بنفس الحديقة و اتفقوا على كل شيء..

   مع منتصف الليل ، ستأخذهم سيارة أجرة إلى تلك المنطقة بحيث يبقون بعيدين عن المقبرة. و سيذهب نبيل لوحده و يدخل إلى هناك حتى يتوغل وسط القبور ! و لإثبات أنه فعل المطلوب عليه دقّ وتد بالأرض كي يتأكد الآخرون – في الصباح – من صدقه. و ليعترفوا أنه شجاع فعلا و لا يُشق له غبار ، كما يدّعي !

* * *

   ربع ساعة بعد منتصف الليل..

   لازالت السيارة تشق طريقها المظلم – في صمت – إلى آخر مكان يرغب أي إنسان بالذهاب إليه !

   كانوا يتبادلون النظرات الجانبية و يبتسمون بنشوة لِما ينتظرهم من تشويق. أما نبيل أو “الرجل الشجاع” – كما يسمونه – فكان صامتا كالقبر ، شارد الذهن ، ينظر إلى شيء وهمي أمامه ! ولم يلمه أحدهم على ذلك.    

   وبعد وقت وجيز صاح خالد في السائق أن حسبك و قال لهشام بأنهم سينتظرونه هناك و أن بسم الله ابدأ !

   ترجّل نبيل ببطء من العربة العجوز التي تئن وسط الظلام السّاكن ، وألقى نظرة أخيرة على أصحابه الذين كانوا بين ضاحك و مبتسم و متشكك !

   أخرج مصباحا يدويا وانطلق في طريقه المهجور إلى حيث مرقد الأموات !

   ترجلوا بدورهم من السيارة و وقفوا تحت شجرة بجانبها ، يشيعونه بنظراتهم وهو يبتعد بحذر.. حتى اختفى تماما !

* * *

   ضحك السائق بعد أن أشعل سيجارة ثم أسند مرفقه إلى سطح العربة وقال بأنه فهم ما يريدون ولكنه شيء خطر ولا يعلم المسكين ما ينتظره هناك ! فردّ عليه خالد أنه تحدّ فقط وهو من قبله و رحب به عن طيب خاطر.

   وهكذا مضى الوقت وهم يدردشون ويتكلمون هنا وهناك حتى سمعوا الصرخة !

   كانت صرخة استغاثة طويلة رهيبة ! عرفوا صاحبها فورا ، فهرعوا إلى السيارة التي ولجها السائق بلهفة وانطلق بها إلى مصدر الصرخة.. الذي يعلمونه كلهم !

* * *

   وصلوا إلى باب المقبرة ، وانفتحت الأبواب قبل أن تسكن العربة ! ترجلوا بوجل و أمارات الرعب بادية على وجوههم !

   قد توقف الصراخ ، لكنهم يسمعون صوت بكاء خفيض !

   اقتربوا بحذر وهم ينظرون إلى بعضهم بذعر و نادوا على نبيل متجاوزين البوابة ، يتقدمهم طه !

* * *

   كان نبيل ملقى على الأرض ! منهارا ، يبكي و يمسح عينيه بتوتر !

   انتصب مكانه ما إن رآهم وأطلق جام غضبه عليهم ! سبهم وقال أشياء لا معنى لها قبل أن يبتعد غير عابئ بتهدئتهم ولا بأسئلتهم الكثيفة وهم يتبعون خطواته السريعة !

   صاح حلّوم متسائلا لما انتبه إلى أن نبيل بلا معطف ! لكن هذا لم يُبالِ و واصل هرولته العنيفة ، وبعصبية ركب السيارة التي تنتظر و ركبوا من بعده.. و انطلقت السيارة !

* * *

   استطاع السائق الشاب أن يهدئ قليلا من روع نبيل وهو يربّت على كتفه و يمازحه. أما هو فكان ينظر إلى الظلام من خلال النافذة ، متجاهلا أصدقائه الذين يضجون خلفه !

   طأطأ برأسه شارد الذهن ، ولبث كذلك لحظات قبل أن يضحك فجأة ضحكة هستيرية ! ويلتفت إلى الوراء حيث يجلس الآخرين ، فاغرين أفواههم من عدم الفهم ! و بابتسامة خبيثة على طرف فمه قصّ عليهم ما حدث بالضبط !

   قال لهم أن الرعب تملّكه لما اقترب من البوابة وأحسّ بركبتيه ترتعشان رغما عنه ، لكنه عضّ على شفتيه وأقسم أن يدخل مهما كان الثمن.

   دخل ، ولكنه لم يتوغل كما وعدهم لشدة الظلام وذلك الجو المقبض الذي يشوّك الشعر ! و إنما عمد إلى مكان قريب جدا من الباب – حيث وجدوه – وانحنى بسرعة يدق الوتد اللعين في الأرض كما اتفق.

   كان يمسك المصباح بين فكيه ، ويلتفت بذعر يمنة ويسرة ثم يدق الوتد بحجر دقات خفيفة ، ثم يعاود الالتفات وقد فقد كل تركيز و أصبح كتلة مرتعشة يملؤها الرعب حتى النخاع !

   لم يضرب الوتد في الأرض عميقا ، لكنه قرر الاكتفاء والمغادرة فورا لمّا هاجمته خواطر غير مريحة ! وبدأت تتراءى له خيالات غير عادية !

   هنا وقعت الواقعة ! فما إن انتصب مغادرا حتى انجذب إلى الأرض بعنف وسقط على وجهه وقد جحظت عيناه.. ليملأ الدنيا صراخا !

* * *

   توقف عن السرد وضحك من جديد ضحكته المجلجلة ! فصرخوا في وجهه جميعا و نظروا إليه شزرا ليتم القصة !

   كبح ضحكته و عاد للحكي..

   قال أنه بدأ يبكي ويتلوى مكانه محاولا الفرار ، إلا أنه كان مثبتا ! شيء ما كان يجره إلى الأرض !

   و وسط الفزع الأسود ذاك ، لمح ما يمسكه.. إنه الوتد !

   فقد دقّه – بالخطأ – على طرف معطفه الطويل وهو يجلس القرفصاء في غمرة الخوف والتوتر والظلام !

   بلا إضاعة لمزيد من الوقت ، هرع يتحرّر من معطفه ولم يكد يفعل حتى رأى السيارة تركن أمام الباب ورآهم يخرجون منها مذعورين !

   تملّكه الغضب لأنه فزع وبكى من أجل شيء تافه ! لذلك تجاهلهم وتجاهل معطفه الذي بقي مثبتا إلى الأرض بالوتد !

   ضحك كل من في السيارة بصوت عالٍ وقد دخلوا المدينة من جديد ولاحت أضواءها.

   صاح خالد بأن نبيل نجح في الامتحان وأنه يستحق وسام الشجاعة عن جدارة.. رغم أن الوتد صرعه !

   و واصلوا الضحك..

رفعت خالد

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s