أحرام على بلابله الدوحُ ؟


2

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله.

وبعد..

 هناك خواطرٌ وخيالات أشبه ماتكون بالعورات.. يتجلّى فيها ضعف الإنسان ونقصه وجوعه.. وهي عند كلّ أحد تقريبا، ولكن إن أنت تلفّظت ببعضها سهوا أو غفلة سيتم احتقارك وستُهراق هيبتك ووقارك مباشرة..

بعض الناس – مثلا – يعرف الفتنة التي تُسببها المرأة لأي ذكر تجري هرمونات الذكورة بدمائه.. فيجد لنفسه العُذر بل يُشفق على نفسه إشفاقا.. ولكن إذا تكلم عن المرأة أخٌ سلفي متمسك بالسنة – مثلا – وبان من كلامه ضُعف.. يُنكرون عليه ويستهزؤون منه ويُحاولون جاهدين أن يُثبتوا تلوّنه ونفاقه وادعاءه السنة، ثم يستظرفون ذلك ويتناقلونه بينهم ويفضحونه حتى يصير نكتة على كل فم.. بل قد يذهبون أبعد من ذلك فيحكمون على الملتحين والسلفيين بما فيهم هم من أمراض، حتى يُشفى غليلهم..

هذا السلفي يتمنى (امرأة) ويشتهيها.. تخيلوا ؟ يا للفضيحة.. يا للعار ؟ طيب يا أخي هل تريدها أختا سمينة أم كيف تريدها ؟ هاهاهاها..

 صدقوني هناك من (المرضى) من يفعلون مثل هذا.. وإني لأتساءل كما تساءل شوقي (أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنسِ ؟)..

 أي عدل هذا ؟ هل كلف الله ناسا دون غيرهم بالالتزام وحرّم عليهم الشهوة وجعلهم معصومين، وأخرج الآخرين من هذا التكليف وأطلق لهم العنان ليتمتعوا كيف شاؤوا ؟ وإن هم أخطؤوا وتجاوزوا فلا بأس.. نحن شباب.. نحن غير معصومين، لسنا أنبياء.. الخ.

 سبحان الله.. يذكرني هذا بمن لا يصلي، يمر بجانب المسجد فيحيي صاحبه الذي يزيل نعله ليلحق بالصلاة ويقول (تقبل الله) ثم يواصل طريقه مسرورا !..طيب، وماذا عنك يا وسيم ؟ هل أنت مُعفى أم ماذا ؟

 حقيقة.. (من راقب الناس مات كمدا)، لكني أحبُّ (تشريح) نفسي والنفوس التي أراها أمامي لعلي أستفيد وأفيد.. ولعل الله يفتح عليّ ويرزقني علما نافعا وإخلاصا خالصا فيحصل بذلك الخير بإذنه وهو المستعان وعليه التكلان.

 قال ابن تيمية رحمه الله تعالى كلاما قريبا مما نحن بصدده: (وأما ما يقترحه كل أحد في نفسه مما لم يخلق فهذا لا اعتبار به، فهذا يقترح معصوما في الأئمة، وهذا يقترح ما هو كالمعصوم، وإن لم يُسمّه معصوما؛ فيقترح في العالم والشيخ والأمير والملك ونحو ذلك، مع كثرة علمه ودينه ومحاسنه، وكثرة ما فعل الله على يديه من الخير؛ يقترح مع ذلك أن لا يكون قد خفي عليه شيء، ولا يخطئ في مسألة ! وأن يخرج عن حدّ البشرية فلا يغضب ! بل كثير من هؤلاء يقترح فيهم ما لا يقترح في الأنبياء، وقد أمر الله تعالى نوحا ومحمدا أن يقولا: (لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك) الأنعام 50، فيريد الجهال من المتبوع أن يكون عالما بكل ما يُسأل عنه، قادرا على كل ما يُطلب منه، غنيا عن الحاجات البشرية كالملائكة، وهذا الاقتراح من ولاة الأمر كاقتراح الخوارج في عموم الأمة أن لا يكون لأحدهم ذنب، ومن كان له ذنب كان عندهم كافرا مُخلّدا في النار، وكل هذا باطل، خلاف ما خلقه الله، وخلاف ما شرعه الله). وذلك في منهاج السنة (3-367).

 لماذا لا يعذر الناس بعضهم ويدعون لبعضهم بالهداية، ويفهموا إمكانية وقوع أي أحد في الزلل والضعف البشري ؟ فلا عاصم إلا الله.. ولم يذكر الله في كتابه ولم يرد في السنة أن الصالحين والمجتهدين وطلبة العلم بل والعلماء معصومين ويستحيل أن يُذنبوا.. بل حتى (الانسلاخ عن الحق) واردٌ في حق العالم والعياذ بالله، فمم يُعجبُ بعدها ؟.. ولماذا لا يقبل بعضنا هذه الحقيقة ؟

 كل أحد خبير بضعف نفسه.. فلماذا نحاسب الذي يُحاول الالتزام بشرع الله على أساس أنه كامل ؟ اجتهد مثله وأرنا براعتك وعصمتك، أما وأنت خائر القوى، ضعيف الهمة، مغلوب على أمرك.. أو أنك قد بعت دينك وسنة نبيك بدراهم زائدة وحلقت وجهك حتى صار كوجه بنت (دلوعة) فأغلق فمك، فأنت آخر من يتكلم في هذا الموضوع !

 ألا تسمع النكت التي أطلقوها على أئمة المساجد ؟ نكتُ تفهم منها الطعن في (منصب إمام المسجد) أصلا !.. حتى يُخيل إليك أن كل من يتقدم للصلاة بالناس منافق مخادع يأكل أموال الناس ويزني بكل امرأة يقابلها في الشارع.. وهو يقرأ القرآن ليغطي عن جرائمه ؟.. أي خبث هذا وأي هجوم ساحق على المسلمين وأصحاب الهدي الظاهر ؟.. ربما لم تصل الشياطين إلى ابتكار مثل هذه الحيل والإشهارات الخبيثة المُغرضة !..

 ثم انظر كيف أن الله الذي خلقنا وسوّانا يعلم ضعفنا – وهو القوي المتين – يعفو عنا ويسترنا، ونحن الضعفاء المساكين الذين يعصونه في كل لحظة بدل أن ننكس رؤوسنا ذُلا بين يديه، وخجلا مما نعلمه من أنفسنا.. نتظاهر في مجالس الناس بالرقي والنبل، وندّعي ما لا نملك، ونتشبّع بما لم نُعط، ونحقر بعض إخواننا، ونقهقه عاليا، ونطعن في نيات العلماء ونطعن – من طرف خفي أو ظاهر – في كل صاحب لحية، وكل من تلبس جلبابا.. ونحكم على الناس بالفساد ونحن أفسدهم، بل ربما من يتكلم ليس من الفاسدين فحسب، بل من المفسدين كذلك..

 ولكن -صدقني – أكثر الناس لايفهمون هذا وإن كان واضحا، وقد ينهق له الحمار موافقا !.. أو هم – المرضى – لا يريدون الفهم. أنت أيها الملتحي، يا من تغير على سنة نبيك، إذا أخطأت أو زلت قدمك – لا سمح الله – فأنت منافقٌ، ظهرت حقيقتك، ولا يحق لك الكلام في الدين مرة أخرى أبدا، قد انتهى أمرك.. أما هو الذي يأتي جرائما يصفق لها الشيطان ويستحق عليها السجن بجدارة فهو.. صادق شريف، ولا يتلاعب مثلك بالدين.. أي شيء هذا ؟

 قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله تعالى: (من حقق اعتقاد أهل السنة وسار على منهجهم ولاء وبراء، وحصل منه قصور في الأخلاق لا يخرج عن دائرة أهل السنة إلى دائرة البدعة، وما عرفنا عن أهل السنة تبديع من يُقصّر في الأخلاق، وحتى لو وقع السنيّ في بعض المعاصي لا يخرج بذلك عن دائرة السنة).

 وقد تعلم أن هذا يسهر ويعربد ويفسق ويفجر مع النساء – عياذا بالله – ثم يسخر بعدها من أخيه الملتحي إذا زلّ ونظر نظرة حرام في الشارع مثلا.. وتلك مخالفة وخطأ لا شك ولا ريب، ولكن أين وجه المقارنة بين الفعلتين ؟ وماذا يُسمى هذا إن لم يكن مرضا يجعل المسكين يحاول باستماتة أن يُثبت أنه ليس سيئا للغاية، وأن كل الناس الذين يتحدثون عن الدين وينصحونه منافقين، كذبة ليرتاح باله ويذهب للسهرة في المساء هانئا مطمئنا..

 هل طُلب منا إزالة أصل الهوى في نفوسنا أم مخالفته وعدم اتباعه ؟ فالهوى موجود في كل بشري.. ولكن المطلوب هو مجاهدته والسير في هذه الطريق بصبر وعزم.. وقد أُعطيت لنا الفرصة تلو الفرصة للتوبة والتخلص من الخطأ.. فلماذا نريد أن نسلب بعضنا هذه الفرص ؟ ومن قال أن كل من يُجاهد نفسه ويخطئ ويُذنب منافق مُدّع ؟ هل شققت على القلوب حتى تعلم تلاعبه من صدقه ؟

 إن كان هذا صحيحا فكل من يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم يعصي أمرا يعلمه، منافق وكاذبة شهادته ؟.. فمثلا أنت تعلم أوامر النبي بإعفاء اللحية وتقصير الثوب وعدم مصافحة الأجنبية.. فلماذا لا تفعل ؟ ثم لماذا تُدافع عن نفسك وتتفلسفُ لتُخرج هذه الأوامر من دائرة الوجوب ؟.. إذا أنت مدّع في حبك للنبي أو تُعارضه – أصلا – ولا تحب ما جاء به وهذا الأخير كُفر بيّن ؟

 قل له هذا، وسيقفز مُعتدلا في كرسيه ليخبرك أن (الله عليم بالقلوب) وأن قلبه أبيض كـ(فلة).. إلخ، طبعا، تبريرات ومسوغات لا حصر لها، لأن المسألة تمسّ شخصه هذه المرة وليس شخصا آخر..

 ومرة أخرى.. (أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنسِ ؟)

 ولكن هذا حال الناس.. أغلبهم مرضى جهال، ونحنُ لا ندري مدى مرض قلوبنا على الحقيقة.. الله يشفينا ويعافينا ويهدينا..

فهلاّ التفتنا لعيوبنا فحسب، وكففنا عن استغلال هفوات البعض لنثبت مدى روعتنا.. وتذكّر، إن كنتَ ترى قذاة في عين أخيك ففي عينك أنت جذع غليظٌ.. أفلا تفيق ؟

رفعت خالد المزوضي

23-11-2013

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s