فلسفة الرعب

رعب الفراغ !


رعب الفراغ

هو خيال من أكثر الخيالات التي أثارتني، وموقف من أشنع المواقف التي خيّلتها لنفسي..

أعلم أن أفلاما كثيرة تناولته، بل قتلته قتلا.. حتى لربما فقد بريقه عند بعضهم، لكنه عندي – على الأقل – باقٍ في أعلى رفّ بمكتبة خيالي.. مكتوبا بخط غليظ يستفزني استفزازا..

رعب الفراغ..

لم تفهم بعد ؟ حسنا، أعرني خيالك كله لو سمحت..

(تقترب الكاميرا منك رويدا رويدا)

أنت الآن في حمام البيت تحت الرشّاش – ليس رشّاش الحرب طبعا ! – تتملّى ببرودة الماء في عزّ الصيف، وتتمنى لو بقيت على حالك – تحت الرشّاش – إلى أجل غير مُسمّى، لا ترغب في تسميته الآن !

إلا أنك سرعان ما تنفض عن رأسك هذا الجنون المنعش فتغلق الصنبور، ليستقبل جسدك المبلل النظيف آخر القطرات بعطش لا يُروى..

تُغادر مكانك (وتتبعك الكاميرا).. تتناول المنشفة البيضاء من خلف الباب لتجفف بدنك مزيلا بقايا الماء الذي كنت تطلب منه المزيد قبل قليل فقط.. يا للعجب، كم بهذه الدنيا من التناقضات !

تتأمل وجهك بالمرآة، وتدقق النظر في عضلات صدرك وفي بطنك الذي بدأ يترهل شيئا يسيرا..

(مشهد من خارج الحمام على رواق البيت)

هدوء مريب بالمكان.. هذا غريب !.. قد كان ممتلأ بالضجيج والثرثرة قبل دخولك الحمام..

تبحث بعين متكاسلة في أرجاء الشقة وأنت تتلمس شعر رأسك المبلل.. لا أحد !

حسن، ربما خرجوا لسبب ما..

تطل من زجاج نافذة الصالون الكبيرة، لتنظر إلى الشارع الواسع المزعج إياه..

(تنتقل الكاميرا لتصور الشارع)

 قد توقف فجأة على أن يكون مزعجا !.. كل شيء جامد، السيارات مكانها، مفتوحة أبوابها.. ماذا ؟ مفتوحة ؟! لم ننعم بكل هذا الأمن من قبل ؟ أي شيء هذا ؟

(مشهد يصور وجهك المشدوه)

ماذا يجري ؟ أين أصوات الحياة بالخارج ؟.. لماذا توقف كل شيء ؟

– لماذا توقف كل شيء ؟

تقولها بصوت متحشرج، متوتر حتى تؤكد لنفسك سلامة أذنيك من الصمم !

(تنتقل الكاميرا إلى مشهد يصور السلم الفارغ لحظة.. قبل أن ينفتح الباب بعنف)

تخرج أنت، وتترك الباب مفتوحا خلفك غير مبالٍ ووجهك يحمل أمارات عدم التصديق.. ثم تلتهم الدرجات نازلا..

بالخارج كل شيء هادئ.. هادئ أكثر من اللازم في الحقيقة !

لقد اختفى الجميع !

(تراقبك عين الكاميرا للحظات)

تصفع وجهك لتستيقظ من الحلم.. إلا أنك لا تستيقظ للأسف..

يا للهول !

(مشهد علوي يصورك وسط الشارع وحيدا)

تمشي بصمت وترمي خطوات ضائعة.. لا تدري أين تريد بالضبط.. فقط تمشي وتلتفت هنا وهناك.. كأنك جُننت !

الدكاكين مفتوحة، والأسواق الممتازة والمنازل والمآرب.. كل شيء !

حتى فمك مفتوح !.. تشدّ شعرك.. تمسح وجهك من فوق لتحت.. تضرب كفا بكف وتهم بقول شيء ما و..

(تظلم الشاشة)

عدنا..

عذرا على المقاطعة.. ولكنها فقط لقطة عرضتها عليك لتفهم الرعب الذي أحمله لك اليوم.. ما رأيك ؟

فكرة غريبة جدا وقاسية جدا لو تأملتها وزدتها تأملا..

رعب الفراغ !

حدثني صديق لي يوما عن قصة ذلك الطاقم العلمي الذي امتطى ظهر سفينة تمخر عباب البحر إلى القطب الشمالي لأغراض علمية ما.. ولأسباب مجهولة علقت السفينة وسط صفيحة من الجليد جمدت حركتها تماما.. ليكتشف المساكين حقيقة مهولة.. أنهم أسارى وسط عالم أبيض !

كل شيء حولهم أبيض وبارد.. ثم بعد شهور بيضاء تمكن منهم الجنون شيئا فشيئا.. جنونٌ سموه بعدها (جنون البياض) !

هل ترى معي رعب الفراغ في هذه القصة ؟

إننا مخلوقات اجتماعية يا صاحبي.. ولا نُطيق العيش لوحدنا كشجرة فريدة في جبل بعيد..

ومهما تظاهرت بالجلد والتحمل.. سوف تنهار بعد فترة ولابد، وستفقد الشعور بالأمان تماما.. ليحل مكانه شعور رهيب بالمراقبة ! كأن أعينا كثيرة ترقبك من بعيد ! الشيء الذي لا تفكر فيه وأنت بين الرؤوس في سوق أسبوعي مكتظ مثلا.. لكن إذا ما مررت ليلا بشارع خال، لتخيلت امرأة ترمقك من خلف ستار النافذة، وكلبا نصف غاف ينتظر الفرصة ليغرس أنيابه بفخدك، وحارس لا يغفل عن خطوة واحدة من خطواتك.. باختصار، لن تشعر بالأمن وحدك أبدا..

ربما يعد هذا – أيضا – من أسباب الزواج.. من يدري ؟ نحن لا نعرف سر الكثير من أفعالنا وتصرفاتنا، فقط نفعلها..

إنه رعب ذو مذاق غريب نوعا.. لن تفهمه كما يجب – ولا أنا – ما دمنا لم نجربه..

إنه ببساطة.. رعب الفراغ !

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s