تأملات سلفية

يا حسره على العباد !


رغم أن الحياة تنتهي بغتة.. ورغم أن الجثث تُحمل أمام أعيننا، ورغم رغبتنا بالفوز بجنان الخلد ومعانقة الحور العين.. لا نعتبر ولا ننزجر ولا نحذر من خطوات الشيطان التي يسوقنا بها خطوةً خطوةً إلى المحرقة !

رغم كل شيء.. رغم النذير والتحذير والتنظير والتبصير والترهيب والترغيب.. نتمادى في غينا بشكل عجيب ! ولا نقوى على اتخاذ القرار الحاسم الجازم بترك الذنوب، والكف عن الركض قليلا حتى نرى ما خلّفناه وراءنا من الدروب، ونرى بقية الطريق.. عسانا نكشف أمرا كان عنا غائبا، عسى نفسك تحدثك وتقول معاتبةً.. أترى أين كنت ذاهبا ؟

هذه هزيمة.. هزيمة شنعاء لحقت بالبشرية وبأعضاء كثيرة من جسد الأمة المحمدية.. هزيمة مهلكة قاتلة ما لم يتداركنا الله العزيز الجبار برحمته فينقذنا..

هزيمةٌ.. ألحقتها بنا جيوش الظلام بزعامة إبليس الملعون، وقد حذرنا الله – عز وجل – منه ومن جنده في كتابه القرآن.. ينشرون سحائب الظلام والخوف أين ما حلوا..

يريدُ هو وجنده – عياذا بالله منهم ولياذا بجنابه الرحيم – لو نعيش في قُرى ظالمة مظلمة.. تُقرع فيها الطبول وتُعزف المعازف وترقص الراقصات وتُصبّ الكؤوس.. حتى تشيب منا الرؤوس وتقسو منا القلوب فيأتي الموت بمنجله ليحصد رأس من تم نضجه وانتهى وقته..

(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) النور 40

جاء في التفسير الميسر عن هذه الآية: (أو تكون أعمالهم مثل ظلمات في بحر عميق يعلوه موج، من فوق الموج موج آخر، ومِن فوقه سحاب كثيف، ظلمات شديدة بعضها فوق بعض، إذا أخرج الناظر يده لم يقارب رؤيتها من شدة الظلمات، فالكفار تراكمت عليهم ظلمات الشرك والضلال وفساد الأعمال. ومن لم يجعل الله له نورًا من كتابه وسنة نبيه يهتدي به فما له مِن هاد).

هذا.. والملأ من القوم ينظرون إلى الرؤوس التي تسقط بين أيديهم.. ينظرون إلى ذي المشاهد المخيفة وهم يضحكون ويرقصون ويأكلون ! وقليل منهم الباكون !

فأما الضحك هنا فمعاقرة الذنوب والإبحار فيها باستمتاع وإصرار أو استحلال واغترار، والأخذ بالشبه وتأويلها بالهوى، وابتداع البدع ونشرها في الفضا.. وأما البكاء فهو الندم والحسرة والتوبة والحزن الذي يجده من يجده في قلبه ثم يعود مُسرعا إلى رشده ويُغلق عليه الباب، حتى لا ينخرط مع القوم في مجونهم وجنونهم..

فمتى نبكي بالله عليكم ؟ لما نصير تحت التراب؟ حين نرى الحقيقة المرعبة التي كنا نسمعها ونحن نضحك ؟ عندما يلمع بوجوهنا بريق الموت فنفهم أن الأمر.. خدعة !

أسئلة غريبة عجيبة لا تفسير لها إلا أن الأعداء الثلاثة.. الشيطان والنفس والهوى قد ألحقوا بالبشرية هزيمة شنعاء وخسارة فادحة !

(ياحسرة على العباد ما ياتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون) يس 30

فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

اللهم إن أردت الناس بفتنة فخذنا إليك غير مفتونين، اللهم وتجاوز عنا أسوء ما نعمل ولا تحاسبنا بما فعله ويفعله السفهاء منا، اللهم تغمدنا برحمتك وعفوك وكرمك يا كريم.. والحمد لله على نعمة الإسلام..

رفعت خالد

رأيان حول “يا حسره على العباد !”

  1. جزاك الله خيرا
    موعظة بليغة تزجر القلب عن غيه وتوقظ الغارق في نومه
    سبحان الله
    اللهم تب علينا لنتوب وارزقنا الخاتمة الحسنة..أنت الرحيم الودود

    إعجاب

  2. اللهم آمين أخي العزيز.. مرحبا بك دائما في مكاني المتواضع هذا
    وجزاك خير الجزاء على تعقيباتك وتشجيعاتك الغالية عندي..

    إعجاب

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s