تأملات سلفية

لا بأس !


 تكثر التساؤلات والتأملات في واقع المسلمين اليوم. فلا يوجد من يُنكر أن أمتنا قد هوت – خلال القرنين الأخيرين – في هوة عميقة، لم تخرج منها إلى يومنا هذا ! لا دينا تمسكنا به، ولا دنيا تربعنا على عرشها.. إنما فقط نحن نستهلك ونجلب كل جديد، بصرف النظر عن هذا الجديد ! ونلتهم كل ما جاء من وراء البحار، لباسا كان أو كتابا أو فكرا أو عيدا أو عقيدة.. لا يهمنا. وليس عندنا جهاز تصفية أو مرجعا نرجع إليه كلما استشكل علينا أمر أو طرأ علينا طارئ لا نعرف حكمه!

«لا بأس» أصبح هو الحكم «الجوكير» اليوم! لا بأس في سماع المعازف، لا بأس في مصافحة النساء، لا بأس في حلق اللحية، لا بأس في إظهار شعيرات من رأس المرأة بل لا بأس في نزع الحجاب أحيانا، لا بأس في نتف الحواجب، لا بأس في وضع المرأة للزينة والرائحة الفواحة، أليس الله جميلا يحب الجمال ؟ لا بأس في اختلاط الجنسين بالجامعة السعودية، فهي تسعى للحداثة كباقي الدول ! لا بأس، لا بأس، لا بأس ! يا أخي كل شيء يُعصرن، فلماذا لا يُعصرن الإسلام ؟

«يجب تجديد علوم الإسلام طبقا للواقع» قالها أمين عام الرابطة المحمدية لعلماء المغرب في حلقة من حلقات برنامج «الشريعة و الحياة» بقناة الجزيرة. كلام يبدو للمستمع منطقيا لا غبار عليه، تستسيغه العقول وتستريح له النفوس. وإنه ليحمل في طياته خبثا وشرا عظيمين.. والغيور على كتاب الله وسنة رسوله، لن يلبث كثيرا حتى يتساءل كيف طاب لأمثال هؤلاء أن يرموا في سلة المهملات أجيالا من العلماء الربّانيين، ورثة الأنبياء، ممن شهدت الأمة وأجمعت على صدقهم – ولا نزكي على الله أحدا – كيف يجرؤ كل شخص حصل على شهادة بسيطة من جامعة بسيطة من جامعات اليوم على هذا «الاجتهاد» المتهور وهذا القول المتحّور في أمور لم يتنازل عنها شيوخ الإسلام ؟ وقد درسوا على كتبهم !

لا أريد الفتاوى البسيطة التي تخص أمورا جديدة تستدعي الاجتهاد وما أقلها، من أهل الاجتهاد والاستنباط وما أندرهم. ولا أقصد قضايا كانت ولا تزال محل خلاف شرعي معتبر، وإنما أريد سننا ثابتة لم تتزحزح منذ خروجها من فم النبي الشريف، أو دلّ عليها فعله أو تقريره – صلى الله عليه وسلم – قكيف يأتي بعض المتعالمين اليوم ويدعوننا مباشرة أو كناية إلى التنازل عن هذه المبادئ والأفكار التي أسسها رسول هذا الدين، بأبي هو وأمي ؟

ثم.. هل تعلمون أن المجتهد يجب أن يكون حافظا لنصف مليون حديث ويكون له اجتهاد مقبول في النوازل تعمل به الأمة ويكون بلغ الشأو الأعلى في كافة فروع الشرع، حتى في اللغة العربية والأصول والتفسير، ويعرف كل آية فيم أنزلت وناسخ القرآن ومنسوخه ومفصله ومقيده وعامه وخاصه.. ومن أمثال هؤلاء المجتهدين – على الإطلاق – الإمام أحمد بن حنبل والأوزاعي ومالك والشافعي.. فسبحان الله، اليوم تقول قال الإمام أحمد يقولون لك قال القرضاوي قال الحويني قال محمد حسان.. يا سبحان الله، ثم هذا إن فرضنا أن الأمر يعد نازلة، فما بالك إن كان أصلا من أصول أهل السنة والجماعة ؟

كيف يجرؤون ؟ سبحان الله ! ألا يخشون يوما تشخص فيه الأبصار ؟ ألم يروا أنهم يقفون أمام كلام النبي و يصدّون عن سبيل الله ؟

ما المشكل من إعفاء اللحية اليوم ؟ فبصرف النظر عن كونها سنة قولية وفعلية وتقريرية معا، وقد أجمع الأئمة الأربعة على حرمة حلقها ترى – مثلا – مخرجين غربيين ومغنيي روك وميتال وغيرهم يطلقون لحاهم بكل عفوية.. ألا نطلق نحن لحانا وقد أمرنا نبينا بذلك ؟ كيف ندّعي حبه إذن ؟ وأي حماقة وسخافة في جعل عبارة «الحب في القلب» شماعة نعلق عليها ضعفنا وعجزنا ونفاقنا ! فكل شيء أصبح في القلب اليوم: اللحية والتقصير والحجاب والسواك والجهاد ! يجب أن يدخل القلب وحده الجنة إذن !

ثم نغير ديننا لصالح من ؟ لصالحهم ؟ كي يرضوا عنا ؟ أم لصالح دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت ذا قيمة كما نتصور لما سُقي كافر شربة ماء! فلنتق الله ربنا ولنعمل في دنيانا بكل طاقاتنا، وإذا ما اصطدم الواقع بالدين.. إذا رفض الواقع كلام الله وكلام رسوله، فتبا للواقع إذن ولهذا الذي يُسمّونه (فقه الواقع) ولم يكن عند علمائنا علم بهذا الإسم.. فهل لم يكن لهم هم واقع ؟؟ كانوا يعيشون في حلم أما ماذا ؟ ثم تجد هؤلاء الحزبيين – هداهم الله – يتهمون كبار العلماء كابن باز رحمه الله ويقولون عنهم علماء حيض ونفاس، لا يفقهون علم الواقع.. ونقول لهم أن الحمار نفسه لا يخفى عليه هذا الواقع ! ماذا يعلمون ولم يعلمه كبار العلماء ؟.. ماذا يعلمون ولم يعلمه رسول الله الذي ينزل عليه الوحي من فوق سبع سماوات ؟ ألا يعلم الله سبحانه وتعالى أن هذا الواقع متغير ؟ ألم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى – إلى تخصيص أصحابه ومسلمي زمانه بإعفاء اللحية وتقصير الثوب مثلا ؟ وهم – وأخص بالذكر الإخوان المسلمين – يفتون متى ما شاؤوا بحلق اللحى.. إذا ما طرأ طارئ في الواقع.. بقي أن نقول الواقع صلى الله عليه وسلم !!

ألا لا سمعا ولا طاعة للواقع ولعبّاد الواقع، وسمعا وطاعة لكلام الله ورسوله.

رغم أنوف من يأبى سيظل رجال ونساء معتصمين بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيظل من يعض عليهم الأصابع من الغيظ، قل موتوا بغيظكم ! والله لن نتنازل عن طاعة الله ورسوله في كل شيء وبلا مساومة، لن نغير ثوابت ديننا، (اليوم أكملت لكم دينكم) حتى لو قُطّعت الرقاب و سالت الدماء أودية ! وسنظلّ ندعوا للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ونحذر من أصحاب البدع حتى لا يغتر شبابنا.. ونقول لهم قال رسولكم كذا فأتمروا، وهذه من النصيحة والتواصي بالحق.. واحذروا من يقول لكم الواقع يقول، فالمسائل التوقيفية توقيفية رغم أنفك أمك وأبيك والتي اجتهد فيها العلماء معروفة كذلك، لا نحرم ما أحل الله وكذلك لا نحلل الحرام ونقول الربى حلال والعياذ بالله والاستحلال – أي استحلال الحرام – كفر بإجماع العلماء..

وسترون أيها الحزبيون الحداثيون، يا من تشمئزون من السنة – بطريقة مؤدبة – أفواجا جديدة من الملتحين إن شاء الله، وستصعقكم وفود أخرى من المنتقبات، أبشروا !

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s