كلامُ عن الفوضى والنظام


   بسم الله الرحمن الرحيم.

   الحمد لله والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله.

   أما بعد..

   إن النظام – ككل شيء – مستويات مُتباعدة ودرجات.. كلما ارتقى المرء فيها صارت حياته أكثر بريقا، ووجد من ذلك في الحركات والسكنات.. ولا شك أن مردّ هذا إلى الوعي ورُقيّ المستوى الفكري والثقافي..

   والنظام الذي أتحدث عنه يشمل كل ما نمارسه في أيامنا.. حتى الكلام الذي يصدر من الأفواه، تجد منه المرتّب الجيد المفيد، والرديء، المنحط في الحضيض..

   حتى عند مواجهة المشاكل والأزمات.. ترى من يشكي ويبكي، ومن تلطم الخدود بذعر وتشق ثوبها كأنه السبب !.. ومن يجثم على ركبتيه خائر القوى، لا يعرف من أين البداية وإلى أي شيء تنتهي الأمور.. نسأل الله العافية.

   وهناك من يوفق إلى خطوات مدروسة وخطط معدّة.. فتراه عند الشدّة يذكر ربه، وربما فزع إلى الصلاة كما كان يفعل النبي – عليه صلاة ربي وسلامه – كلما رابه شيء، ثم يأخذ بالأسباب ويحمل قلما ليشرع في حلّ المعضلة منهجيا مُستعينا بربه متوكّلا.

   وذلك يكون حتى في المشية، والأكلة والضجعة.. في البسمة والإطراقة.. في كل شيء يتجلّى النظام أو عدمه. ولا أقصد التكلّف والمبالغة التي ربما وصلت إلى الحدّ المرضي والوسواس القهري عياذا بالله.. إنما أريد الإعداد والاستعداد، والتفكير المتأمل قبل كل قول وعمل..

    ومثال الرجل المنظّم المحلّل الذي عايشته وعاينته بناظري متجسّدٌ في والدي.. وكم حاولتُ تقليده ولازلتُ. فهو – حفظه الله – يضع خططا لكل شيء تقريبا، حتى أني أحسبُ ذلك مبالغة أحيانا.. وأقلّبُ في دفاتره ويومياته فأجده قد دوّن ما لن يخطر لك على بال، حتى إني أجزم – إن شاء الله – أنه بمقدوره رسم منحى تغير كل شيء أمامه خلال الشهور والسنوات.. بارك الله له وفيه.

    وقد علمني مرة على السبورة مثلا فرنسيا معروفا مُفاده أن الحياة صراعٌ دائم بين النظام والفوضى.

    وعندما أحاول الآن إسقاط هذا القول على حياتي أجده ينطبق انطباقا تاما ويصدقُ غالبا..

    اغفل عن نفسك ثلاثة أيام.. اطلق عنانها، لا تُحاسبها ولا تُحاول كبحها وسترى أي فوضى ستصير إليها..

   اترك بيتك يوما واحدا دون أن تلمس شيئا وأخبرني بعدها أين جوربك وأين كوب الشاي وهل من خبر عن الملعقة المفقودة ؟

   اغفل عن دروسك.. اغفل عن مراجعة القرآن.. اغفل عن مقود السيارة وأنت تسوق..اغفل عن عينك وأنت ترمي خطواتك بالشارع تدلّك ببراعة على مواطن الفتنة من حيث لاتدري !

   إنها الفوضى التي تُطاردنا في كل شيء.. إنه التيار الجارف الذي علينا السباحة عكسه والصبر على هذا العناء والجهد الشديد، حتى نسعد في الدنيا والآخرة.. وما ألذه من جهد إذا وما أهونه إذا كانت عاقبته تلك الجنان لا حرمنا الله منها.. 

   فالأصل فينا الجهل والظلم ولك أن تتخيل ما يأتي من هذين من الفوضى العارمة والفساد العريض.. ومن هنا يتّضح فضل العلم النافع – أقصد الشرعي – الذي يضيء هذه الظلمات ويرتب الفوضى التي في عقولنا وقلوبنا.. فيحل الحلم والأناة والعدل ومخافة الرب وقد كانت قبلها العجلة والظلم والانتصار للنفس بالباطل وطاعة الغضب..

   فاللهم رتب حياتنا ونظم أوقاتنا حتى لا تكون علينا حسرة وندامة.. ويسر اللهم أمورنا كلها وعلمنا ما جهلنا.

   والحمد لله رب العالمين. 

وكتب
رفعت خالد
08-11-2013

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s