أحرام على بلابله الدوحُ ؟


2

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله.

وبعد..

 هناك خواطرٌ وخيالات أشبه ماتكون بالعورات.. يتجلّى فيها ضعف الإنسان ونقصه وجوعه.. وهي عند كلّ أحد تقريبا، ولكن إن أنت تلفّظت ببعضها سهوا أو غفلة سيتم احتقارك وستُهراق هيبتك ووقارك مباشرة..

بعض الناس – مثلا – يعرف الفتنة التي تُسببها المرأة لأي ذكر تجري هرمونات الذكورة بدمائه.. فيجد لنفسه العُذر بل يُشفق على نفسه إشفاقا.. ولكن إذا تكلم عن المرأة أخٌ سلفي متمسك بالسنة – مثلا – وبان من كلامه ضُعف.. يُنكرون عليه ويستهزؤون منه ويُحاولون جاهدين أن يُثبتوا تلوّنه ونفاقه وادعاءه السنة، ثم يستظرفون ذلك ويتناقلونه بينهم ويفضحونه حتى يصير نكتة على كل فم.. بل قد يذهبون أبعد من ذلك فيحكمون على الملتحين والسلفيين بما فيهم هم من أمراض، حتى يُشفى غليلهم..

هذا السلفي يتمنى (امرأة) ويشتهيها.. تخيلوا ؟ يا للفضيحة.. يا للعار ؟ طيب يا أخي هل تريدها أختا سمينة أم كيف تريدها ؟ هاهاهاها..

Continue reading “أحرام على بلابله الدوحُ ؟”

Advertisements

تبا لمشاعرك !


تبا لك

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمدلله والصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله. أما بعد..

ننسى في كثير من الأحيان الطريقة التي نتكلم بها ونلتفتُ فقط للمعنى والرسالة التي نريدُ إيصالها، فنغفل بذلك عن مشاعر الآخر، ونكاد ننسى أنه بشرٌ مثلنا من لحم ودم وذكريات وضعف وعقل محدود..

(وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم) الإسراء، 53.

إنك قد تجرح أحدهم بعينيك فقط دونما حركة من جوارحك، ناهيك عن الكلام الذي يذهب في الإذاية والجرح أبعد من ذلكم بكثير.. حتى أنه قد ورد في السنة النهي عن تناول حبتين أو أكثر من طعام تأكله مع أخيك حتى تستأذن منه، تخيل ؟

هذا، ومعروف قدر الابتسام في الوجوه ومخالطة الناس بالخلق الحسن وكف الأذى عنهم وعدم الكلام في غيبتهم بما يكرهون وغير ذلك مما وصى به ديننا القيّم..

لكن الناس لا يفعلون عُشرُ معشار هذا، ولسانُ حالهم يقول: (تبا لمشاعرك).. وقد جرّبتُ من قبل ما يُشبه الذي أقول، بل كان ما جرّبتُ سببا لتغيّر نظرتي للحياة والناس تماما.. فلانٌ يعرف حاجتك بعد أن حدثته عنها واثقا مستأمنا إياه، ظانا فيه سلامة الصدر والخلق، بل حتى المنهج والعقيدة.. ثم ينتهز فرصة غيابك أو عجزك لينقض عليها لاهثا كالـ… وإذا اعترضَ أحدٌ بعدها يقول هذا جائز، هذا حلال.. وأين من استأمنك ووثق بك يا رجل ؟..تبا له ولمشاعره.. هكذا.

ولو فٌعل معه هو أدنى من ذلك لأريته يشكي ويبكي ويدعو ويملأ الدنيا صُراخا ويشرح لك كم أن الناس ذئاب وأنهم لا أمان لهم وأن علينا أن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا.. وهل فعل هو ؟ هل عمل حسابا لإخوانه هو ؟ هل فكر فيهم لثانية ؟ أم هو حظ النفس وجشعها.. ألا عار عليكَ أن تأتي الفعل وتنهى عنه، عارُ عليك ذلك عظيمُ !

فما أحوجنا إلى الإنصاف وأن نُعامل إخواننا بما نحبّ أن نُعامل به، فنتخيلنا أحيانا مكانهم.. حتى لا نبخسهم حقوقهم ولا نؤذي خواطرهم، بل نخدمهم جهد ما في طاقتنا ونعين المحتاج منهم، حتى إن دعى ذلك إلى تأخير حظوظنا.. وكل ذلك في الله وتقربا إليه..

ما أحوجنا إلى حفظ الأمانات والأسرار وستر العيوب والأخبار والاستماع لهموم الناس ومواساتهم وتذكيرهم بكلام الله وسنة نبيه وتصبيرهم.. وهذا من العون، كما أمر ربنا (وتواصوا بالصبر).. فإن أقربنا مجلسا من النبي عليه صلوات الله وسلامه أحسننا أخلاقا كما تعلمون..

ومع ذلك فليحذر الواحد منا شياطين الإنس وليحفظ سره وليكتم حوائجه فإن – والله – في الناس من نفوسهم ذئبية، يبتسم لك ويهشّ ويبشّ، ويلين القول، بعد أن شمّ عندك بعض ما يريد.. فلا تحسبنّ الآخرين لا يجرؤون على فعلٍ لا تجرؤ أنت عليه، ولا تحسبنّ لهم نفس مقدار حياءك ومروءتك..

إنما أحسِن ابتغاء وجه ربك ولا تنتظر جزاء من أحد ولا شُكورا، أحسن وانس، أحسن وامضِ.. ودعك ممن يقول (لا تفعل خيرا، لا يحدث بأس) فهذه دعوة لوقف عمل الخير وذلك مُعارضٌ لما أُمرنا به.. بل نفعل الخير، والعوض من الله.. والأجر منتظر منه عزّ وجل، وهو المستعان على كل حال.

 

 22-11-2013

نزوات عابرة


نزوات عابرة

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على محمد عبد الله ورسوله. أما بعد..

كم نزوة تعترض سبيلنا في اليوم والليلة.. إنها العشرات، بله المئات.. اشتر كذا.. افعل كذا، اسمع كذا، انظر لكذا، تخيل لو حدث كذا.. الخ. ومع كل نزوة نتوقف ونفكر فيما عُرض علينا، ونُقلبه تقليبا، وقد نُصمّم على فعل ذلك الأمر وهو خاطئ مخالف، فكيف ذلك ؟

وأحيانا يكفي أن نتناسى نزوة ما لدقائق معدودة، أو ننشغل عنها قليلا فتذهب حرارتها، وكأنها لم تكن من قبل، وكأنها دُخان رفيع شطح أمام ناظريك لبرهة ثم تلاشى.. كبائع متجول عرض عليك سلعته ثم لم يجد عندك نشاطا لاقتنائها فانصرف بصمت..

هنا تتجلى عظمة الصبر ونجاعته، فالحرج لا يدوم، والشدة إلى زوال.. يكفي إذا أن تصبر تلك الدقائق أو الساعات، أو أكثر من ذلك أو أقل.. لتجد نفسك على اليابسة من جديد وقد خُضت قبل قليل بحرا متلاطمة أمواجه، مزمجرة رياحه..

وهنا أيضا يتجلى جزع الإنسان وضعفه وعجلته المضحكة أحيانا.. فهو يريد لو يحصل على كل شيء اليوم قبل الغد، وتأخر حصول الشيء عنده ضياع وحرمان وفقر وكارثة وسوء حظ وقنبلة دمار شامل !.. وقد أُخبرتُ العام المنصرم عن شاب انتحر بعد شجار مع أهله حول شراء حذاء رياضي !!.. فاللهم احفظ علينا عقولنا..

المطلوب إذا يا نفسي ويا إخواني هو الصبر، وذكر الله كثيرا مع التعوذ به من شر أنفسنا وشر المخلوقات حولنا من الإنس والجن. أما إن نفذنا كل ما تُمليه علينا قرائحنا في تلك اللحظات الضيقة اللاهثة فلن نُحصّل في النهاية إلا ندما يُقطع نياط القلوب وحزنا يكاد يذهب بالمهج وخزيا مؤلما حارقا وفضيحة بين الناس وعارا، ثم شماتة الأعداء فينا وقد نصلى بعدها نارا.. نسأل الله الستر والعافية.

فليكن هذا منا دائما على ذُكر.. ليس ما نجده من تلك الوساوس إلا نزوات عابرة، سحب صيف وتنقشع، حالات اضطراب موسمية، سموها كما يحلو لكم.. إنما ينبغي أن نترفع عنها ونصبر أنفسنا مع الحق وأهله ونتعوّد على النبل وأخلاق الرجال ذووا الشرف والشهامة، وإياكم وإياي أن نتورط مع أهل المهانة والخيانة والبذاءة والنذالة.. والله يرعانا ويعصمنا أجمعين، وآخر كلامي أن الحمد لله رب العالمين.

 رفعت خالد المزوضي

21-11-2013

شبح السّحور !


2

(من أحداث واقعية !)

   أعود بذاكرتي إلى رمضان المبارك، إذ قرع خاطري حادث غريب مررت به في إحدى لياليه الرائعة بأروقة الحي الجامعي.. فأحببت أن أسجله هنا. فلتعيروني أسماعكم..

   كان يوما آخرا.. يوما عاديا من أيام رمضان الكريم. هذا الشهر الذي تكاد تلمس فيه تغيرا في كل شيء حولك.. الأشخاص، الجو، الأوقات.. حتى أنفاسك يشوبها شيء من الهدوء والسكينة، وطبعا لن نتحدث عن الجرائم التي يرتكبها مدمني التدخين !

   كان يوما آخرا.. حيث يسود الصمت بالغرفة و قد استلقيتُ فوق سريري أطالع القرآن أو أرمق السقف، وصديقي يفعل الشيء ذاته.. قد ألجم الظمأ أفواهنا وأزال الجوع منا أية رغبة في الحديث و الثرثرة..

   يمزق آذان المغرب صمتنا المرتقب – على حين غرة – لنقفز من أسرّتنا بنشاط عجيب.. فأسارع إلى اختطاف ثمرة يكون طعمها في فمي أحلى من العسل وألذ من ألذ ما لذ وطاب من الطعام والشراب !..

Continue reading “شبح السّحور !”

المنزل رقم 12


المنزل رقم 12

    انبسطت تحت أشعة الشمس رُقعة مترامية الأطراف من منازل متناسقة البنيان ، زاهية الألوان ، تحوطها أشجار الأرز الباسقة و جبال خضراء شامخة..

   و لعل الرّائي من عل سوف يرى انشطار الرقعة إلى شطرين و انقسامها إلى قسمين متباينين. قسم من البنايات الحديثة ، و الذي يُطلق عليه اسم “المدينة الجديدة” و هو الأوسع نطاقا و الأكثر انتشارا حيث يحتل ثلثي المساحة تقريبا. و قسم ثانٍ تظهر معالم القدم على منازله و مساجده و أسواقه الفسيحة ، وهو ما يشكّل “المدينة القديمة”.

   هذه الرقعة هي مدينة (فاس). العاصمة الثقافية و التراثية للمغرب ، فما أجمل أبوابها المزخرفة وما ألذّ لكنة سكانها السلسة وما أبهى ذلك الشعور بالانتماء الذي يتملّكك و أنت تتجول بأزقتها الشعبية..

* * *

   المدينة القديمة ، حي “الحنصالي”.. فضاء شعبي يموج بالحياة و يعُجّ بالحركة.. متشابهة منازله ، متقاربة أبوابه.

   صبيان يركضون بخفة أمامك ثم سرعان ما يختفون بأول انحراف فلا يبقى سوى صدى ضحكاتهم تتقاذفه الجدران.. ثم تمر في الطرف الآخر من الزقاق ثلة من نساء محجبات يمشين بتؤدة و استحياء و يحملن أكياسا على رؤوسهنّ بطريقة فيها من البراعة و الحذاقة الشيء الكثير.

   وشديد الانتباه لن تفوته ملاحظة منزل معزول في آخر الحي. جدرانه متآكلة ، زجاج نوافذه مكسور ! و أكثر ما يشدّ الانتباه هو بابه الضخم العتيق ، و قد عُلّقت فوقه قطعة خشبية مائلة ، مكتوب عليها بخط قديم (رقم 12).

Continue reading “المنزل رقم 12”

شتاء ولكن.. !


شتاء ولكن

فهمتُ بعد نصف ساعة من الضجيج أن شيئا ما ينقر زجاج نافذتي..

اعتدلتُ على السرير أفرك عينيّ بعنف كأني أدخلهما بعدما خرجتا من المحجرين !

ما هذا ؟.. مطر ؟.. نعم إنها قطرات المطر الحبيب.. شكرا على إيقاظي، هذا لطف كبير.. لكنه الأحد، وكنتُ أمنّي نفسي بنوم دافئ بعد صلاة الفجر، لكن.. خير

طق طق طق..

حملتُ إبريق القهوة بعد أن أطفأت الموقد بحركة سريعة.. وتوجهتُ بخطوات مرحة إلى الثلاجة لأخرج.. الجبن والمربى والبيض والزيتون الأسود وأشياء غريبة أخرى..

أغلقت الثلاجة بقدمي لأن يديّ مشغولتان.. عجيب أمر هذه الثلاجة.. تحتكر وحدها فصل شتاء أبدي..

طق طق طق..

Continue reading “شتاء ولكن.. !”

رعب الموت !


images

العنوان هذه المرة واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، بل هو أوضح مما سأقول.

الموت.

أول ما يذهب إليه تفكيري في كل مرة يخطر الموت ببالي هي كلمة “النهاية” التي تظهر وسط الشاشة في الأفلام الكلاسيكية. وحين تظهر فذلك يعني أن الستار سيُسدل والضوء سيُطفأ وأن عليك أن تغادر مكانك حالا ولا داعي لبقائك متسمرا في شوق.

Continue reading “رعب الموت !”

رعب الخواتيم !


إن من الأمور المخيفة فعلا، أمر النهاية وكيف تكون !.. لاسيما عندما تسمع الحديث الشريف الذي يبث الخوف في قلب كل مؤمن، والذي مفاده أن الرجل قد يعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة حتى إذا دنا أجله عمل بعمل أهل النار فدخلها، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار حتى إذا شارف على الرحيل عمل بعمل أهل الجنة فدخلها  !

وجاءت العبارة التي تخفف بعض الرعب في حديث آخر له نفس السياق، والحمد لله، وهي «فيما يبدو للناس» أي أن الرجل يعمل عمل أهل الجنة أو عمل الغاوين فيما يبدو للناس فقط !

ولكن الخوف لا يزال قائما.. والخطر يظل متربصا، فلا أحد يملك لنفسه تزكية وليس أحدا يحكم قلبه أبدا.. والنهاية هي الخاتم الذي يتوج الورقة وعليه تكون النتيجة، وتلك هي اللحظة التي تنجلي فيها الحقيقة، مُسفرة عن نفسها.. فتُفتح أفواه وتحُبس أنفاس وتُصعق قلوب.. وليس ذلك بعزيز إلا على صاحب الورقة  !

فكيف ستكون خاتمتك ؟

اللهم سلّم سلّم..

26-07-2010

رعب الفتن !


ليس في الدنيا، واللهّ، دعة وسعادة دائمتين، ولا اطمئنان وسلام كاملين، وكذب من قال بذلك.. لأن الموت متربّص بنا والنوازل والخطوب حوالينا، ثم هناك يوم عصيب غير يسير ينتظرنا.. أوَ هناك بعد هذا راحة أو أمن أو هنى ؟

إنّ من أول مسببات الانحراف والغفلة والإعراض عن الآخرة سوء تقدير الدنيا والإفراط في تقييمها وتهوين أخطارها وفتنها المزلزلة  !

أما لماذا يُعدّ هذا من ‘الرعب’ فلأنه مخفيّ، لا يظهر إلا لأصحاب القلوب ولا يعقله إلا أولوا الألباب.. فهو بذلك كالحرب الباردة أو كالجرثوم الغامض يسقط ضحاياه فرادى، بعيدا عن الأعين.. وحتى عند بروز جثثهم لا ترى هنالك من معتبر كأن القلوب قد علاها الثلج !

إنه رعب الفتن !.. عندما لا تكون لديك فكرة عن الاختبارات التي ستُعرض عليك، ولا مدى استعدادك لاجتيازها ولا تاريخها ولا فرص النجاح بها  !

عندما تعبد خالقك، وتأتي الصالحات، وتسارع في الخيرات، ودمعاتك منهمرات شفقة من زوال أم النعم والهِبات  !

لما ترى الموتى الأحياء حولك بالألوف المؤلفة.. فيرتجف قلبك وتتساءل عن الشيء الذي يميزك عنهم وكيف هو قريب أن تصاب بما هم مصابون به  !

ألا إنك مفتون وإنهم مفتونون.. فهل أنت مستعد للفتن التالية ؟

رعب الباب الكبير !


رعب الباب الكبير

من الأمور المهمة التي أثارت انتباهي وشغلت تفكيري وألحت على خواطري إلحاحا عجيبا، أمر (الباب الكبير الذي إذا انفتح دخل منه شر مستطير وإذا غُلّق استراح المرء وأبشر بالخير).

كمثل باب الدار، فأنت لا تُناقش إمكانية دخول ريح باردة، أو سارق مجرم، أو أفعى زاحفة، أو عفريت أزرق، أو دخول جنود المارينز أنفسهم !.. وإنما تغلق الباب وكفى.. فهذا الفعل جامع مانع كامل شامل لكل مخوف ولكل غير مرغوب فيه..

كذلك أمر الفتن.. فإنك بتحديد الأبواب والمداخل ثم إغلاقها تكون قد وأدت قصصا مأساوية في مهدها قبل أن تحيا وتتحرك زاحفة على أرضك كتمساح مريع ينشر الذعر والموت أينما حل.. فكم هو رائع أن تدهسه وهو بعد في بيضته غاف !.. قبل أن يدهسك هو !

ألا وإن منافذ الشر كثيرة في حياتنا، وفي هذا الزمن بالخصوص.. فكم تمكنت منا بعض الشرور حتى صارت تزاحم ما خُلقنا من أجله، وصارت كأنها حيوية، ضرورية للبقاء في الحياة.. وليس لنا أبسط استعداد للتخلي عنها طرفة عين.. وهذا عجيب غاية العجب !

من منا يقدر على ترك التلفاز والشبكة العنكبوتية والعزوف عن متابعة الأخبار والكلام حول الفتن ؟ من يستطيع ترك الكتب المشبوهة والجلوس إلى المشبوهين بل ومصادقتهم ؟.. من ؟ لا يقدر على ذلك إلا من رحم ربي، وبصره بحقيقة الأشياء وما يأتي من وراءها، ثم وفقه لتخطيها.. وغلق الباب.

وحدها عزيمة قوية وإرادة فولاذية وتوكل صادق وتوبة نصوح.. تمكّن من غلق الباب وإحكام رتاجه.. حتى ينعم المرء بالأمن ويحظى بالسلام، فتحلو له الحياة، ويذوق طعم الهناء ويستسيغ طيب العيش.. على عكس أكثر أهل الأرض الضائعين وسط الأمواج المتلاطمة، لا يعرفون متى وقع عليهم ما وقع، أفي ليل أم ضحى أم أتاهم وهم قائلون ؟؟ لا يذكرون من أي ناحية جاءهم، أمن فوقهم أم من تحت أرجلهم أم حلّ عليهم بغتة وهم ينظرون ؟

لقد تاهوا وأمعنوا في التيه حتى حيل بينهم وبين الباب الكبير.. فلم يعودوا يرونه فضلا عن إغلاقه..

فهلم، اقطع خيوط الشبكة العنكبوتية في بيتك، واجعلها خارجه، بعيدة عنك تقصدها إذا ما احتجتها في إحدى شؤونك المهمة.. ولا تتركها مع كتبك وأوانيك فتفتنك في دينك ودنياك.. ولا أحد ألزمك بها  !

أعرض عن التلفاز أو أخرجه من عندك بالكلية إن كنت تملك زمام بيتك.. فحري بك هذا إذا ما رأيت آثاره السيئة عليك وعلى أهلك وأبنائك.. أم هو سنة مؤكدة أم ماذا ؟

دع مصافحة الأجنبيات وملاعبتهن والتسامح في تكليمهنّ، وانفض عنك وساوس (لا بأس) تلك.. فهي حراس من الشياطين، كأني بهما اثنان يقفان عن يمين الباب وشماله ليمنعانك من غلقه.. حتى يظل مفتوحا عليك آناء الليل وأطراف النهار.. بل اركل هذا في وسط بطنه، ووجه للآخر لكمة بين عينيه.. وأوصد الباب دونهما.. تنعم بالراحة والسكينة.

هل عرفت ضرب (نوع) الرعب الذي أحدثك عنه هذه المرة ؟

هل ترى ذلك الباب الخشبي الكبير الذي أشير إليه ؟

هل فهمت الآن ؟

اللهم اجعلنا ممن ينهون عن المنكر وعنه ينتهون، ويأمرون بالمعروف وبه يأتمرون.

رعب الجنون !


رعب الجنون

قد تُعين أخا لك على تجاوز محنة تعترضه أو سلوك غير لائق علق بشخصيته..

قد تُصلح فاسدا، تُصوّب مخطئا، تقود أعمى وترشده الطريق بإذن الله وقدرته لكن.. ماذا عنك ؟

ماذا إن تحرك ذلك الوحشُ القابع بداخلك (الأمّار بالسوء) فأفسد صفاء ذهنك، وعبث بالأسلاك وبلوحات المفاتيح.. حتى فسُدت أخلاقك، وساءت أفعالك ولم يعد القبيح عندك قبيحا، ولا المحظور صار لديك محذورا..

ثم تنبري مقاتلا مجاهدا نفسك، لكن.. دون جدوى. ذلك الشيء جلد قوي، يجيد التخريب والإفساد حقا !

لو تأملت معي لتجدنّ الأمر أشبه بتمزق فرامل شاحنة ضخمة تهوي بها حمولتها – التي هي جزء منها – إلى الهاوية.. كذلك تجرنا أنفسنا – التي هي نحن – من نواصينا إلى.. المحرقة !

وهذا سفه وغياب فادح للعقل.. يشبه الجنون أو هو جنون ولكننا لا ندري..

ألم يقل الله – تعالى جدّه – عن الكفار (موتى) وهم بيننا أحياء يمشون مرحين ؟ إن المفاهيم التي تعارف عليها البشر ليست هي الحق بالضرورة.. فالله أعلم، والله أحكم..

وقد قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) الأنعام 36.

فكذلك العقل نعمة.. ولكن أين مظاهر هذه النعمة في حياة البشر اليوم ؟ مالنا نسقط في الشر زرافات ووُحدانا وفطرتنا تعرف الشر شرا والخير خيرا ؟

ولكن.. لربما أذهب الله عقل الفتى إذا لم يعد له داع !!

 ألا ترى إلى المجنون.. هل يملك من تصرفه شيئا ؟

تخيل أن تقودك أهوال الحياة إلى القمة.. أعني قمة اللامنطق، ثم تهوي على أم رأسك إلى مستنقعات آسنة من الجنون، مترامية الأطراف.. حيث لا عقل !

هل تملك حينها أن تقرر ؟ أن تستحسن أو تستشنع ؟ هل تملك الحذر من المحذور وفعل المأمور وتقبل المقدور ؟ هل تملك أن تبقى متأنقا عزيز الشأن ؟ هل يمكنك حينها أن تختار الأفضل لنفسك فضلا عن غيرك ؟ كلا.. لقد تقطعت الفرامل.. ولم يعد بينك وبين هذا العقل خيط تمسكه به.. إنه يهوي ويهذي ويتدحرج في غيابات الظلام.. بلا نهاية..

هل فكرت في هذا ؟ أن يسلبك الله نعمة العقل بالكلية.. نسأل الله العافية..

انظر لهم في الشارع.. حفاة، عراة، منكوشي الشعر واللحية.. ينظرون لك نظرات زائغة، متجهمة تارة، وتارة أخرى باسمة.. ولعل الواحد منهم يراك نعجة تنظر له بتوجس أو قطعة بطيخ.. من يدري ؟

أعرف يقينا أنك لا تتمنى خوض هذه التجربة حتى ترى العالم بذلك المنظار الغريب.. ولا ألومك صراحة !

ولكنه أمر مفزع غاية الفزع.. كيف سيراك الناس ؟ ماذا سيقولون عنك ؟ ماذا عن أهلك ؟ ماذا عن علمك وعملك وأحلامك ومشاريع إصلاحاتك التي لا تنتهي ؟ وقد انتهت الآن..

هل أدركت هذا الهول ؟ إنه رعب تقطع الفرامل..

رعب.. الجنون !

رعب الفراغ !


رعب الفراغ

هو خيال من أكثر الخيالات التي أثارتني، وموقف من أشنع المواقف التي خيّلتها لنفسي..

أعلم أن أفلاما كثيرة تناولته، بل قتلته قتلا.. حتى لربما فقد بريقه عند بعضهم، لكنه عندي – على الأقل – باقٍ في أعلى رفّ بمكتبة خيالي.. مكتوبا بخط غليظ يستفزني استفزازا..

رعب الفراغ..

لم تفهم بعد ؟ حسنا، أعرني خيالك كله لو سمحت..

(تقترب الكاميرا منك رويدا رويدا)

أنت الآن في حمام البيت تحت الرشّاش – ليس رشّاش الحرب طبعا ! – تتملّى ببرودة الماء في عزّ الصيف، وتتمنى لو بقيت على حالك – تحت الرشّاش – إلى أجل غير مُسمّى، لا ترغب في تسميته الآن !

إلا أنك سرعان ما تنفض عن رأسك هذا الجنون المنعش فتغلق الصنبور، ليستقبل جسدك المبلل النظيف آخر القطرات بعطش لا يُروى..

تُغادر مكانك (وتتبعك الكاميرا).. تتناول المنشفة البيضاء من خلف الباب لتجفف بدنك مزيلا بقايا الماء الذي كنت تطلب منه المزيد قبل قليل فقط.. يا للعجب، كم بهذه الدنيا من التناقضات !

تتأمل وجهك بالمرآة، وتدقق النظر في عضلات صدرك وفي بطنك الذي بدأ يترهل شيئا يسيرا..

(مشهد من خارج الحمام على رواق البيت)

هدوء مريب بالمكان.. هذا غريب !.. قد كان ممتلأ بالضجيج والثرثرة قبل دخولك الحمام..

تبحث بعين متكاسلة في أرجاء الشقة وأنت تتلمس شعر رأسك المبلل.. لا أحد !

حسن، ربما خرجوا لسبب ما..

تطل من زجاج نافذة الصالون الكبيرة، لتنظر إلى الشارع الواسع المزعج إياه..

(تنتقل الكاميرا لتصور الشارع)

 قد توقف فجأة على أن يكون مزعجا !.. كل شيء جامد، السيارات مكانها، مفتوحة أبوابها.. ماذا ؟ مفتوحة ؟! لم ننعم بكل هذا الأمن من قبل ؟ أي شيء هذا ؟

(مشهد يصور وجهك المشدوه)

ماذا يجري ؟ أين أصوات الحياة بالخارج ؟.. لماذا توقف كل شيء ؟

– لماذا توقف كل شيء ؟

تقولها بصوت متحشرج، متوتر حتى تؤكد لنفسك سلامة أذنيك من الصمم !

(تنتقل الكاميرا إلى مشهد يصور السلم الفارغ لحظة.. قبل أن ينفتح الباب بعنف)

تخرج أنت، وتترك الباب مفتوحا خلفك غير مبالٍ ووجهك يحمل أمارات عدم التصديق.. ثم تلتهم الدرجات نازلا..

بالخارج كل شيء هادئ.. هادئ أكثر من اللازم في الحقيقة !

لقد اختفى الجميع !

(تراقبك عين الكاميرا للحظات)

تصفع وجهك لتستيقظ من الحلم.. إلا أنك لا تستيقظ للأسف..

يا للهول !

(مشهد علوي يصورك وسط الشارع وحيدا)

تمشي بصمت وترمي خطوات ضائعة.. لا تدري أين تريد بالضبط.. فقط تمشي وتلتفت هنا وهناك.. كأنك جُننت !

الدكاكين مفتوحة، والأسواق الممتازة والمنازل والمآرب.. كل شيء !

حتى فمك مفتوح !.. تشدّ شعرك.. تمسح وجهك من فوق لتحت.. تضرب كفا بكف وتهم بقول شيء ما و..

(تظلم الشاشة)

عدنا..

عذرا على المقاطعة.. ولكنها فقط لقطة عرضتها عليك لتفهم الرعب الذي أحمله لك اليوم.. ما رأيك ؟

فكرة غريبة جدا وقاسية جدا لو تأملتها وزدتها تأملا..

رعب الفراغ !

حدثني صديق لي يوما عن قصة ذلك الطاقم العلمي الذي امتطى ظهر سفينة تمخر عباب البحر إلى القطب الشمالي لأغراض علمية ما.. ولأسباب مجهولة علقت السفينة وسط صفيحة من الجليد جمدت حركتها تماما.. ليكتشف المساكين حقيقة مهولة.. أنهم أسارى وسط عالم أبيض !

كل شيء حولهم أبيض وبارد.. ثم بعد شهور بيضاء تمكن منهم الجنون شيئا فشيئا.. جنونٌ سموه بعدها (جنون البياض) !

هل ترى معي رعب الفراغ في هذه القصة ؟

إننا مخلوقات اجتماعية يا صاحبي.. ولا نُطيق العيش لوحدنا كشجرة فريدة في جبل بعيد..

ومهما تظاهرت بالجلد والتحمل.. سوف تنهار بعد فترة ولابد، وستفقد الشعور بالأمان تماما.. ليحل مكانه شعور رهيب بالمراقبة ! كأن أعينا كثيرة ترقبك من بعيد ! الشيء الذي لا تفكر فيه وأنت بين الرؤوس في سوق أسبوعي مكتظ مثلا.. لكن إذا ما مررت ليلا بشارع خال، لتخيلت امرأة ترمقك من خلف ستار النافذة، وكلبا نصف غاف ينتظر الفرصة ليغرس أنيابه بفخدك، وحارس لا يغفل عن خطوة واحدة من خطواتك.. باختصار، لن تشعر بالأمن وحدك أبدا..

ربما يعد هذا – أيضا – من أسباب الزواج.. من يدري ؟ نحن لا نعرف سر الكثير من أفعالنا وتصرفاتنا، فقط نفعلها..

إنه رعب ذو مذاق غريب نوعا.. لن تفهمه كما يجب – ولا أنا – ما دمنا لم نجربه..

إنه ببساطة.. رعب الفراغ !

رعب الرحيل !


لماذا الرحيل مرتبط بالحزن إلى هذا الحد ؟

كم بكيتُ وأنا أجمع حاجياتي لأعود من المخيم الصيفي وقد كنتُ ساخطا عليه اليوم الذي سبق فقط !

وكم صعُب عليّ مفارقة كل قسم من أقسام الابتدائية وقد كنتُ أجلس في طاولتي مُختنقا طيلة العام تقريبا، ولم أتحمل وجودي بين تلك الكائنات العابثة !

وكم انتحبتُ بحُرقة حين رحيلي عن تلك القرية الصغيرة في منتصف سنوات الإعدادية لأترك تلك الوجوه الصغيرة المحبوبة التي تُمثّل عندي الطفولة ذاتها.. بكيتُ وأنا أدير ظهري لهم بعد أن ودّعتهم، حريصا على ألاّ يروا اهتزاز كتفي..

وكذلك انظر إلى المحتضر كيف يُنازع الموت حتى لا يأخذه – المسكين – وإن كان قد ذاق الأمرّين في هذه الدنيا، وربما كان يتمنّى الموت في قرارة نفسه من قبل !

لكنها الغريزة.. ذلك الطفل الذي كُنّاه يوما، لازال بداخلنا يخرج علينا في مثل هذه اللحظات ليبكي ويتمرّغ على الأرض حتى يبُثّ في قلب من يراه شيئا من الرّأفة..

لا نريد أن يُغادرنا أحباؤنا حتى وإن غادرناهم نحن أنفسنا !

لا نريد أن نرحل عن الدنيا وإن كنا نبكي من المعاناة والألم !

لا نريد أن نفارق بعض أموالنا حتى وإن لم نكن في حاجة ماسة لها !

إنه رعب الفراق.. رعب الرّحيل، حيث الوجهة التالية مجهولة، والحياة بعد الرحيل لن تظلّ كعهدنا بها..

أما أكبر رحيل ينتظرنا نحن معشر المسافرين فهو الرحيل من هذا الكوكب.. رحلة الموت. فهلاّ جمعنا حاجياتنا وحزمنا الأمتعة جيدا قبل أن يباغتنا الموعد.. إنه سفر طويل وشاقّ فعلا يا سادة.. فليُعنّا الرّب.

إلحق الشنطة يا واد !


إلحق الشنطة يا واد

 بسم الله الرحمن  الرحيم

استيقظت يوم اثنينٍ، متذمرا كعادتي، حاقدا على المنبه..

حشوت حقيبتي السوداء بملابس وأواني وأشياء أخرى مما جعل وزنها يُضاهي – ربما – وزن سفينة (تيتانيك) !، وملأت محفظتي – السوداء هي الأخرى – بأكوام الدفاتر التي تضم ما لذ وطاب من العلوم والعلاقات !..

وفي محطة سيارات الأجرة وجدتُ – لحسن حظي – زميلان لي بالجامعة.. ألقيت عليهما التحية، فسألني أحدهما وقد قـوّس حاجبيه في خطورة عن ماهية ما أحمله بحقيبتي الضخمة.. وأبدى الآخر مُلاحظة سخيفة، مُفادهـا أننا ذاهبان إلى الجامعة وليس إلى ميناء تجاري لنصدر السلع !..

كنا ثلاثتنا ننتظر بملل قدوم راكبين آخرين لتمتلئ السيارة حتى ترضى وتقرر الانطلاق، وكل واحد يحمل بظهره ويديه ورجليه ما بين ثلاث إلى عشر حقائب !..

جـاء أخيرا عجوز و امرأة.. والغريب أن الراكبين الأخيرين يكونان دوما عجوزا وامرأة !..

لن أصف داخل سيارة الأجرة، لأن كل ما أذكره هو رجل أشعث، عصبي.. أشار إلينا بركوب السيارة.. لأفهم فورا أنه السائـق !.. فأي سائق يحترم نفسه لابد أن يكون أشعثا عصبيا كما تعلم..

وبعد أن حشرتُ جسدي بين الأجساد، سقط رأسي ورائي وخطفني النوم !..

Continue reading “إلحق الشنطة يا واد !”