ولكن أين الحياة ؟


ليس علينا أن نخشى سبق الناس لنا في حيازة المال الكثير والمجد الأثير لئلا يصيب نفوسنا جراء ذلك اضطراب عظيم، ولئلا ننخرط في ركض عبثي دائم لا يتوقف حتى يتوقف القلب عن الحياة، فنكون قد حمّلنا أنفسنا ما لا تطيق، وكلّفناها ما لم يكلفها به خالقها، فنعيش معيشة ضنكى وتنهار أعصابنا رويدا رويدا.. ثم ماذا ؟ فحتى لو (نجحنا) حينئذ في ظنّنا وحصلنا تلك الأموال المشؤومة فأي راحة بقيت وأي سلام ؟ أوَليس هذا ما يطلبه الناس – آخر الأمر – من تلكم الأموال المكدّسة ؟ وقد سعوا لجمعها بكل ما أوتوا من حياة، فهاهي ذي أمامهم.. ولكن أين الحياة ؟

رفعا خالد

Advertisements

مقدار العناد


توفيق الإنسان للمعتقد الصحيح أو عدم توفيقه، يعني نجاته يوم القيامة أو تورطه في مشكلة عويصة لا تقاس إليها مشاكل الأرض.. وهذا أسّ المسألة وأساسها. إذ يظن البعض أنها أذواق وأهواء أن تعتقد كذا أو لا تعتقده.. والصحيح أنها مسألة (شواء)، ونار عظيمة تلفح الوجوه والعياذ بالله.. فمؤمن ومكذب، وناج ومُعذَّب. ومن أهمّ مسببات هذا التوفيق – فيما يظهر لي والله أعلم – مقدار العناد والجحود الذي في قلب هذا الإنسان.. والله تبارك وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، فلا يمكن أن نكون على درجة واحدة من الوفاء والصفاء والإخلاص والتجريد ثم يوفق هذا ويترك ذاك.. بلا سبب ! ولذلك فمن الناس السهل الذي تقول له واحد وواحد اثنان فيجد فطرته وعقله يوافقان ذلك ولا سبب يدعوه للتكذيب، فيقول مباشرة: نعم. ومنهم من يقول نعم ولكن.. ومنهم من يقول: لا ولو طارت معزة !

رفعت خالد

 

أنونيموس


Anonymou-NASA-about-to-announce-Alien-life-640x371

كتبتُ اليوم بعضا من مميزاتي وعيوبي.. تلك اللعبة المعروفة التي قد تبدو مملة في بدايتها، لكنك لا تلبث حتى تحسّ بمدى عمقها وتأثيرها حين تصل أغوارا بداخلك لم تصلها منذ أمد طويل، في بحث دؤوب عن حقيقتك، وما يجعلك (أنتَ) بالشكل الذي تعرف به نفسك ويعرفك به الآخرون..

سوف تفاجأ – حتما – بميزات أنساكها تعاقب الليل والنهار، ولسوف تصدمك عيوبٌ تجدها مختبئة بمكر في داخلك، كأنها أفاع سامّة يمكن أن تنهي حياتك في أي وقت ، ما لم يُسعفك الرحمن برحمته ويعينك على التخلّص منها !

تتكلم كثيرا عن الإيجابية والأمل، لتجد أنك سلبي في الحقيقة ! تتكلم عن النظام، وتُنفق الساعات في عرض أهميته وفوائده، ولكنك لازلت فوضويا للأسف.. تريد الانفتاح على العالم واستكشافه وتعلم ما فاتك منه، ولكنك سجين وحدتك لا تزال !

ثم من يعترف بعيوبه أصلا ؟ ربما لا يعترف بها بعض الناس حتى أمام المرايا !.. لذلك يتعذر قياس مثل هذه الأمور إلا ما كان منها باديا، مثل النظام الظاهر والهندام الخارجي والأخلاق التي يُعرف بها الإنسان، أما غير ذلك من الصفات الحقيقية المتأصلة في المرء فهو بها عليم والله تعالى أعلم. فكم من قاتل ومغتصب أطفال يمشي بيننا متأنقا متعطرا يلقي التحايا ويردها بكل أدب !

عرفتُ أشخاصا في فترة دراستي كانت بيوتهم مثل المزابل العمومية تقريبا ! حتى أن بعضهم كان يرمي بقايا الخبز وأعقاب السجائر فوق أرضية بيته، وأسفل سريره فصارت أزقة المدينة القذرة أنظف وأرقى من بيته ! أما في العالم الخارجي فهو من أوسم الشباب وأشدّهم تأنّقا وجاذبية، وكانت بنات الجامعة يملن إليه ميلانا عظيما ويُفتنّ به افتتانا !

خُدع كبرى محبوكة بعناية.. حتى صار المجتمع البشري أشبه ما يكون بأولئك القراصنة في المجتمع الرقمي.. (أنونيموس)، حيث لا تعرف هوية المتكلم ولا حقيقته.. فقط وجوه باردة، وعيون فارغة، وشوارب ولحى مشذبة، ونظارات براقة، وابتسامات صفراء قاسية.. يعلم الله من يقبع وراءها !

بتعبير آخر.. هي أزمة هوية مستفحلة يعيشها الإنسان، بشقيها الفردي والأممي، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم..

من أنت ؟ ما عقيدتك ؟ ما لغتك ؟ ما تاريخك ؟.. ما هي عيوبك وما مميزاتك ؟؟

رفعت خالد

07-04-2018

فلتُخرب بيوتنا إذن !


يقول أقوام: المرأة اليوم – يا من تنتقدون مخالطة النساء للرجال – دكتورة وعالمة.. فمالكم كيف تحكمون ؟ وأسأل أنا هؤلاء: أجيبونا يرحمكم الله، زواجنا اليوم أنجح أم زواج أجدادنا ؟.. الطلاق اليوم أكثر أم الطلاق في الماضي ؟ يكفي أن تجيبوا – وكلنا يعرف الجواب – لنرى ماذا قدمت هذه الدكتورات والعالمات لأنفسهن، وماذا قدمن لنا معشر الرجال وللأمة جمعاء.. ولو بقين في خدورهن – واحسرتاه – لارتحن وأرحن، وأخرجن لنا رجالا أكفاء، كما كان أجدادنا رجالا، ونساء بحق كما كانت نساء الصحابة والعلماء الأوائل.. ولما رأينا هذه المسوخ الشائهة التي نراها اليوم.. ولكنهن دكتورات يا أخي.. فلتُخرب بيوتنا إذن.

خالد

خطورة التوفيق !


قد يكون التوفيق في الدنيا فتنة خطيرة جدا !.. إذ يرى الإنسان نفسه (موفقا).. ميسر أمره، كثير ماله، مشهور اسمه، مُهابٌ شخصه، فربما زاده ذلك غرورا وغطرسة، ثم لا يرى نفسه بحاجة إلى أي تعديل من أي نوع ما دام (نجح) على ما هو عليه ! فيبتعد عن الحق ويهجره. ثم إنه يرى بعض من التزم بالسمت الصالح والأخلاق التي في الكتاب والسنة قد ابتلي بنقص في الأموال وغيرها من متع الدنيا ومباهجها، فيزداد (يقينا) من أنه على خير عظيم، بل هو محظوظ قلّ من حظي بمثل حظه ! وإذن فليس هو بحاجة إلى تغيير وجهته !.. فلا يزال على ثقته وفخره بنفسه حتى يقتلعه الموت من فوق الأرض ! وتلك الطامة الكبرى.. سلّمنا الله منها جميعا.

خالد

كلٌّ من عند الله..


ما أروع التقوّي بالله عز وجل، وما أجمل الاستغناء عن الناس. كل ما لديهم لا يعنيك.. حتى ما لديهم من حقوقك لا يعنيك. فالله سبحانه وتعالى سيوصل إليك ما يشاء ويمنع عنك ما يشاء بحكمة بالغة وعدل تام. فليظلم من شاء بعد وليسرق من شاء فإن كل شيء بقدر. والله تبارك وتعالى ينصر المظلوم إذا دعاه.. ولو بقيت تطالب الناس بحقوقك أو ما تظن أنه من حقك فلن تنتهي المطالبة ولن تجد نهاية لظلم الناس وخداعهم.. وإذن لن ترتاح أبدا. وليس في جُهدك الانتقام منهم جميعا وأخذ كل ما سلبوك وسيسلبوك.. ولكن (قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا).

خالد

دعونا نرى هذا الحب !


تحتفلون بأعياد الكفار الشركية التي لها أسماء بريئة كمثل (عيد الحب).. حسن، فقط لا تستغربوا إذا لم توفّقوا في هذا (الحب)، يوم تترددون على جلسات المحاكم وقلوبكم طافحة بالحقد والبغض، أو غير ذلك من الكوارث العاطفية التي تنشطر لها القلوب وتُزلزل عندها النفوس.. لا تكسروا حينها رؤوسنا بالبكاء والنحيب واتهام كل النساء والرجال بالخيانة، ولا تنشروا الصور التي فيها وجوه باكية وعبارات ركيكة توصي بعدم الثقة وتخبر بقسوة الزمان.. إلخ. تريدون حب الغرب ؟ حسن دعونا نرى هذا الحب الذي تدّعون، وتتهمون غيركم من المسلمين المحافظين بجهله وفقدانه، وترمونهم بالتحجر والجمود !.. دعونا نرى هذه السعادة المزعومة والرومانسية الآسرة.. إنّا من المنتظرين !

خالد

مخاوف غير مصرح بها !


الإفراط من تلك المخاوف – التي لا نصرح بها – يجعل الحياة عسيرة جدا ومرهقة جدا.. الخوف من الفشل، الخوف من النجاح، الخوف من الموت أن يخطفك وأنت غافل ذاهل، أو يخطف من أحببت حتى لم تعد تتصور الوجود من دونهم ! الخوف من عداد العمر الذي تستمر أرقامه في التصاعد دون أن يمهلك حتى تستوعب حقيقة أنك تكبر ! الخوف من الأمراض الخبيثة والجراحات المريعة.. الخوف من أن تظل وحيدا بلا صاحب أو صاحبة، الخوف من الزواج أو الطلاق. حتى الخوف من الخوف يجعلك خائفا أيضا وإن كنت مصرا على نفي الخوف عن نفسك !.. ويبقى المعصوم من عصمه الله والموفق من وفقه الله.

خالد

رحمك الله يا معلمي..


عيناي تذرفان دموعا بلا إذن مني !

تلك اللحظات من العرفان بالجميل.. وإن كان عرفانا متأخرا.

لحظات وقوفك على استحياء أمام معلمك الذي تعدّه الأفضل في مادته، بل ربما كان عبقريا غير مسبوق في فنه !

راسلته مرة، وعرفّته اسمي وكنيتي فقال – رحمه الله -: (هل يناديك الأصدقاء خالد أم المزوضي) ؟

سميتُ نفسي بنصف تسمية شخصيته العجيبة (رفعت إسماعيل)..

رحم الله من علّمني فنا اسمه الكتابة، وحبّب إليّ عادة تُدعى القراءة..

د. أحمد خالد توفيق.

رحمه الله رحمة واسعة وغفر له مغفرة لا تغادر خطيئة ولا ذنبا.

آمين.

 

زنازن مُكيّفة !


Empty-desks

 هذا النظام المهني الحديث ما أشنعه !

لا أكاد أشكّ أن أكثر أصحاب السيارات الفارهة التي تمرّ علينا كل حين، حتى ربما خُيّلت إليك نظرة شماتة في كشافاتها الأنيقة ! دفعوا ثمنا لها أكثر من مجرّد أوراق بنكية مرصوصة ومربوطة بشرائط مطاطية.. دفعوا ثمنا باهظا من أعصابهم وصحّتهم النفسية والبدنية، وربما العقلية أيضا !

أن تعمل تحت إشراف بشري يعني – غالبا – أن تعمل تحت مطارق تطرق رأسك صباح مساء بلا رحمة ولا هوادة ولا مراعاة لأدنى حقوق الحيوان في بعض الأحيان.. ولن يعطيك أجرتك حتى يتأكّد من خروج آخر قطرة من عرقك، واستهلاك آخر خلية دماغية من خلاياك !

هؤلاء البشر..

ليت المرء يُوفّق لعمل تجاري بسيط يسدّ حاجاته الأساسية فحسب، ثم ينجو من صُنوف العذاب النفسي الذي تُسببّه هذه الكائنات الجشعة الظالمة.. إلا ما شاء الله.

أليست نعمة عظيمة أن تكون رئيس نفسك ؟

نعمة وما أدراك ما هي.. حياة زاهية !

ثم نحن نتحدث عن (أتعاب) العمل والتنقل والساعات الإضافية.. ماذا عن أتعاب الأعصاب المحروقة ؟.. وأتعاب الروّح ؟ بل ماذا عن ثمن ما يضيع من أجر العبادات بسبب المكوث ما بين شروق الشمس إلى غروبها في تلك الزنازن المُكيّفة ؟.. هذا بفرض أن لذلك ثمن يمكن تعويضه !

ولكنه خوف الإنسان من الفقر والضّياع والحرمان ما يجعله يُطأطئ الرأس ويحمل أثقالا على ظهره صابرا كالدابة التي لا حول لها ولا قوة.. خوفه الذي سببه ضعف الإيمان دائما، وتدنّي الثقة بالله عز وجل والتوكّل عليه وقد خلقه ورزقه مذ كان لحمة هشة مكورة في رحم أمه التي لم تملك أن تُطعمه أو تسقيه ! فكبر وصار هذا الكائن الحديث الذليل الذي يرتدي ربطة عنق ويجري في الطرقات مذعورا، ليلتقم أول ثدي يعثر عليه..

خالد
19-03-2018

المنطق الأحول !


Myopie

بسم الله الرحمن الرحيم.

أعجبُ من الناس – أكثرهم إلا من رحم ربي – كيف لا يتكلّمون إذا تكلّموا في الدين إلا وهم يذمّون التشدّد ويمدحون الاعتدال ؟.. حسب مفهوم التشدّد عندهم ومفهوم الاعتدال، وهي مفاهيم خاطئة في الغالب بنصّ القرآن وصحيح السُنّة، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين أقرّ الله ما هم عليه من فوق سبع سموات !

كيف وهم يعلمون أن المشاكل العويصة التي تتخبّط فيها مجتمعاتنا الإسلامية اليوم ليس على رأسها التشدّد، وليس الغلوّ في أعلى قائمتها كما يزعم بعض المنظرّين.. إنما هي الشركيات والكفريات والبدعيات والمخدرات والصيحات الغريبة والدعوات المريبة.. وهذا بادٍ لكل من ألقى بصره وهو شهيد !

ثم إن من يقولون بهذه المقالات يعلمون تمام العلم ما فعله بهم بُعدهم عن الدين في أيام الشباب ولياليه ! ويعلمون كم أخطأوا وكم ظلموا بسبب تقصيرهم في الدين، لا بسبب الغلوّ فيه ! وبسبب القرب من الفواحش والغواني والمعازف واللّهو المحرّم لا جرّاء البُعد عنها !

فكيف يعلمون ذلك علم اليقين، ويعلمون ما أصاب بعض أولادهم وبناتهم من هذه الفتن التي تؤرّق الغربيين قبل الشرقيين.. ومع ذلك يُصرّون على جعل كلّ كلامهم، وأكثر شُغلهم في نقد صاحب اللحية والقميص، وصاحبة الخمار والنقاب، والذي لا يقرب المعازف، والتي لا تصافح الرجال، والذي لا يعلّق الصور، والتي تمتنع عن العمل وسط الذكور.. على قلّة هؤلاء ونُدرتهم، وهم – والله – على الحقّ المُبين !

يذمّون هؤلاء أشدّ الذمّ وأقذعه، وَيَدعون لنمطهم من التديّن – الذي يعدّونه تديّنا – وكأنّهم نجحوا هم في دينهم ودنياهم وزيجاتهم وأخلاقهم وتربيتهم لذرّياتهم وجميع شؤون حياتهم ! ولا تجد فيهم رجلا رشيدا – إلا من رحم الله – ينتقدُ نمطه (غير المتشدّد)، ويُشكّك فيه ويعترف أنه ما رأى منه إلا الشرّ والخُسران، والشحناء والعدوان، والفشل في حياته الزوجية وغيرها.. إنما تجدهم يبصمون بالعشرة على نظرتهم الانتقائية للدين والتديّن ! بلا دليل ولا برهان، اللهم إلا شُبهات وأنصاف أحاديث وآيات يرددونها كل حين، بعد أن بتروها وأفرغوها من معانيها، ثم ركّبوها في منطقهم المادّي الميكيافيللي المقيت..

لا بل إن الدلائل من الكتاب والسُنّة تناقضُ نمطهم هذا الذي يسمّونه (اعتدالا) ! والاعتدال في الحقيقة أسمى وأعمق مما يظنون.. فإذا لم يستطيعوا بترا ولا ليّا لهذه الدلائل الواضحات ادّعوا أن فهم غيرهم خاطئ والسلام ! بلا توضيح أو تصويب لهذا الفهم، تصويبا علميا شرعيا لغويا دقيقا.. وإنما (رمتني بدائها وانسلّت) !

وكأن معنى (أعفوا اللحى) التي أمر بها رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – المسلمين وهو قائدهم وقدوتهم، وطبقّها عليه الصلاة والسلام وأقرّها وأنكر على من تركها، كأنّ معناها عندهم: (أعفوا اللحى يا مُتشدّدين إن شئتهم، ولا تفعلوا يا معتدلين يا خير البشر !).. أو كأن التفسير الصواب للآية الكريمة: (وقرن في بيوتكنّ) هو: (وقرن في بيوتكن قليلا، واخرجن كثيرا، واعملن وسط الرجال غير مباليات بما يقوله المتشدّدون، ساء ما يقولون) !

تا الله إني لا أفقه شيئا من هذا المنطق الأحول ! أعاذني الله وإياكم من الحَوَل.

وإنه كما قال أخي وصاحبي الأديب والشاعر الجزائري (إسماعيل البسكري):

أقلّوا لومّكم قومي فإنّي…رأيتُ النّاس في أمرٍ عجيب
أعبتـم لحيتي وسواك سـني! … بغضِّ الطّرفِ عن صور الصليب!
أأوْغَــرَ صدرَكم تقصيرُ ثـوبي؟ … وسوقُ الغيد في كشفٍ مَعيب!

رفعت خالد المزوضي

24-02-2018

من قُبح النساء..


6a00d83451b71f69e201b7c7809bd5970b-800wi

هناك قُبحٌ في النساء، غير قُبح الوجوه والفعال.. وهو قُبح الهويّة الذي تراه منتشرا في أجيال اليوم انتشار النار في الهشيم، هذه الأجيال الممسوخة التي لا تقيم وزنا لتراثها الإسلامي ولا ترفع رأسا للغتها العربية البديعة، فتراهنّ يتنافسن في اللغات الأجنبية منافسة ضارية، ويتبادلن عبارات الإفرنج والإنجليز كأن أسماؤهن: (إيزابيل) و(شارلوت) لا (فاطمة) و(إسراء) ! ويملأن الدّنيا بلوحات وكؤوس وديكورات نُقشت عليها عبارات مُتحذلقة بحروف لاتينية، لا هي حروف أمهاتهن ولا أجدادهن! وإذا قلّبت بصرك في الكتب المعروضة فليس غير الروايات الفرنسية والإنجليزية تزيّن الرّفوف.. وربما وجدت كتاب (لا تحزن) محشورا بينها على سبيل التنويع ! وإذا أردن تعليم أبنائهن فإنهن يبدأن بالأسماء الأجنبية أولا.. إي نعم ! فيتعلم الطفل في عامه الثاني أو الثالث (تو) قبل (إثنان) و(أورنج) بدل (برتقالي).. أليس هذا قُبحا في النفوس وتشوّها مريعا في العقول والفِطر ؟ أوَلا يجعل هذا كلّ رجل رشيد ينأى بنفسه عن مثل هذه القبيحات ؟.. هدانا الله وإياهم وجمّلنا جميعا بطاعته وبما يُحبّه ويرضاه.

خالد

الحارس في مجتمع الزّيف !


29565224

بسم الله الرحمن الرحيم.

مثل عنوانها بالضبط الرواية غريبة و(مستفزّة) وغير معتادة البتة!

الحق أنها رواية بذيئة وقحة، وقد كُتبت بالعامية الأمريكية الفجة، وبطريقة الشباب الغاضبة في الكلام والتعبير، ولكن من الصعب – مع كل هذا – أن تتجاهل العمق الذي كُتبت به والطاقة النفسية (الدرامية) العجيبة التي تحملها صفحاتها !

هي رواية )التمرّد( على كل شيء، حتى على ما لا ينبغي التمرّد عليه للأسف، وهو الإيمان. وإن كانت الرواية لم تذكر ذلك إلا بشكل عابر، ولكنها أولى وأهم اعتراضاتي قبل بذاءة الرواية وقبل كل شيء آخر. فقد أنست شهوة التمرد الكاتب الحكمة والتعقل، وإعطاء كل شيء حقه. حتى صار يتمرد لأجل التمرّد فحسب.. وهذا ما يروق لكثير من الناس. فيعدّون كل متمرد بطلا، بغض النظر عن موضوع التمرّد !

إلا أن المثير هو كيف وصف الكاتب عبث الشعب الأمريكي وزيفه، وكيف أشار إلى تصرّفات بشرية دقيقة قلّما يُنتبه لها، ولذلك أعتقد أن أسلوب الرواية كان جديدا تماما في الخمسينات، بل إنه يكاد يكون جديدا حتى لقارئها اليوم لغرابته وصراحته وانصرافه إلى ما لا يُعبّر عنه الناس عادة.. فإنه يندر أن تجد من يقول لك مثلا: (ضحكتُ حتى شعرت بتقزز ورغبة في التقيّؤ !) لأنه يبدو شعورا غريبا، وحتّى لو خطر على بعض الكتاب فإنه سيتفاداه أغلب الظن لغرابته وشذوذه.. ولكن سالينجر يكتب بهذه الطريقة حتى تشك أحيانا أن الشخصية تعاني من اضطراب نفسي، ولكنه لا يبالي كأنما هو يتحدى كل النقّاد والقراء، ويتمرد على كل معروف ومتداول.. مع رفضي لبعض تمرّده طبعا.

شخصية (هولدن كولفيلد) أثّرت – كما قرأتُ – أثرا بالغا في الشباب الأمريكي لاختلافها الجذري عن كل المكتوب حينئذ، فكأنه صوت جديد خرج لأول مرة من بين مجاملات الكتاب، ليتكلم باسم الشباب الغاضب الذي لا يفهم طريقة العيش المتعارف عليها هناك، ويحكي عن الزيف الكبير المسكوت عنه بين الناس الذين يقبلونه على أنه واقع لا يُناقش..

(هولدن) شخصية صريحة للغاية، سريعة الملل، دقيقة الملاحظة، ساخرة و(رشيقة) – إن صحّ التعبير – والأهمّ من هذا كله أنها غير زائفة.. وهذا ما لفت أنظار كل الأجيال التي قرأت الرواية إلى حدود اليوم. فالشباب كلهم تقريبا سيوافقونك إن تحدثت عن زيف الدراسة وزيف المدارس والمدرسين، وزيف الحفلات والنكات وما أشبه ذلك من الأمور.. حتى وصل (هولدن) آخر الأمر إلى قرار اعتزال الناس في كوخ على مشارف غابة من الغابات، وهذه أيضا فكرة لابد أنها خطرت على أكثر الناس – إن لم يكن كل الناس – وحتى أنا كنتُ أزمع كتابة رواية عن شخص اعتزل العالم بالكلية.. إلا أني لم أفعل. لذلك يسهل على أكثر القراء الارتباط (نفسيا) بالرواية..

هناك نقطة أخرى في الرواية (قتلتني) – كما يقول (هولدن) عن الأشياء التي تُعجبه – وهي المقاطع التي تحدّث فيها عن أخته الصغيرة (فيب) وحبه لها، وكيف تسلّل خُفية إلى بيت والديه بعد (عودته) من جامعته لزيارتها، ولم يكن يريد أن يراه والداه لسبب متعلق بدراسته.. وكيف أيقظها من نومها، وشرعت تسرد له تفاصيل يومها في المدرسة ببراءة و(حلاوة) منقطعة النظير.. براءة البنات الصغيرات بالذات (تقتلني) قتلا !

والحوارات التي ستكون بين هولدن وأخته الصغرى بعد هذا ولو أنها في سياق حزين من (ألذ) وأعمق الحوارات التي قرأت..

ومما أثار غيظي في الرواية – بعد (لا دينية) الشخصية – هو تشابه الأمكنة، فهولدن ينتقل من (بار) إلى (بار).. فمضى ثلث الرواية تقريبا على هذه الشاكلة، وقد أثار ذلك حنقي، وتساءلت لماذا لم يذكر أمكنة أخرى، حتى يتسنّى له وصف أوسع رقعة ممكنة من الشعب الأمريكي ؟

أما الكاتب (سالينجر) نفسه فقد شغل الرأي العام الأمريكي كثيرا بعد توقفه عن النشر منذ الستينات، واعتزاله العالم في كوخ على مشارف غابة من الغابات ! تماما كما قرر (هولدن). ولم ينشر شيئا بعدها إلى أن مات سنة 2010.. وكان يهرب من الصحافة والمقابلات، وقد قرأتُ أن هناك أعمالا تركها للنشر بعد موته.

كل ما أستطيع قوله أن هذه كتابة مختلفة.. مختلفة تماما ! فقط لو أنها ابتعدت عن البذاءة، و(ثارت) على إلحاد الشعوب الغربية وهمجيتها الأخلاقية وتنكرها لخالقها وكأنها خلقت نفسها فهي إذن مجموعة من الآلهة ! أو كأنها جاءت من عدم وتعيش سنوات معدودة ثم تفنى للأبد، ويبقى الظالم ظالما والمظلوم مظلوما ! ولكن مادام الكاتب لم يثر على هذا الشرك والإلحاد في الحياة الغربية، فلا يفيدنا كثيرا نقد زيفهم الاجتماعي والمادي، لأننا نفر من عبث إلى عبث أكبر منه، ومن زيف إلى آخر أشد سوادا وفوضوية..

رفعت خالد المزوضي

18-01-2018